الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٦٢ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
شديدة و أصواتا عالية، فظننا أن القوم يريدون النهوض إلينا، فتهيأنا و تيسرنا، ثم دسسنا إليهم عيونا ليأتونا بالخبر، فما لبثنا إلا قليلا حتى رجعوا إلينا فأخبرونا أن بريدا جاءهم من قبل ملك الروم فبشرهم بمال يقسم بينهم و بمدد يأتيهم، ففرحوا بذلك و رفعوا له أصواتهم، و اجتمعوا إلى باهان النائب فيهم عن ملكهم، فقام فيهم فقال: إن الله لم يزل لدينكم هذا معزا و ناصرا، و قد جاءكم قوم يريدون أن يفسدوا عليكم دينكم و يغلبوكم على دنياكم، و أنتم عدد الحصى و الثرى و الذر، و الله إن فى هذا الوادى منكم لنحوا من أربعمائة ألف مقاتل سوى أتباعكم و أعوانكم، و من اجتمع إليكم من سكان بلادكم و ممن هو معكم على دينكم، فلا يهولنكم أمر هؤلاء القوم، فإن عددهم قليل، و هم أهل الشقاء و البؤس و جلهم حاسر جائع، و أنتم الملوك، و أهل الحصون و القلاع و العدة و القوة، فلا تبرحوا العرصة حتى تهلكوهم أو تهلكوا أنتم. فقام إليه بطارقتهم فقالوا له:
مرنا بأمرك، ثم انظر ما نصنع. قال: فتيسروا حتى آمركم [١].
و عن أبى بشر، رجل من تنوخ كان مع باهان، قال: كنت نصرانيا، فنصرت النصارى على العرب، فأقبلت مع الروم، فإذا من نمر به من أهل البلد أحسن شيء ثناء على العرب فى سيرتهم و فى كل شيء من أمرهم، و أقبلت الروم فجعلوا يفسدون فى الأرض و يسيئون السيرة، و يعصون الأمراء، حتى ضج منهم الناس، و شكاهم أهل القرى، فلا تزال جماعة تجيء معها بالجارية قد افتضت، و جماعة يشكون أن أغنامهم ذبحت، و آخرون أنهم خربوا و سلبوا، فلما رأى ذلك باهان، قام فيهم خطيبا فقال: يا معشر أهل هذا الدين، إن حجة الله عليكم عظيمة، إذ بعث إليكم رسولا، و أنزل عليه كتابا، و كان رسولكم لا يريد الدنيا، و يزهدكم فيها، و أمركم أن لا تظلموا أحدا، فإن الله لا يحب الظالمين، و أنتم الآن تظلمون، فما عذركم غدا عند خالقكم و قد تركتم أمره و أمر نبيكم و ما أتاكم به من كتاب ربكم؟ و هذا عدوكم قد نزل بكم، يقتل مقاتليكم، و يسبى ذراريكم، و أنتم تعملون بالمعاصى، و لا ترعون منها خشية العقاب، فإن نزع الله سلطانكم من أيديكم و أظهر عليكم عدوكم فمن الظالم إلا أنتم، فاتقوا الله و انزعوا عن ظلم الناس [٢].
فقام إليه رجل من أهل البلد من أهل الذمة يشكو مظلمة، فتكلم بلسانهم، و أنا أفقه كلامهم، فقال: أيها الملك، عشت الدهر و وقيناك بأنفسنا مكروه الأحداث، إنى امرؤ
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٧٤- ١٧٥).
[٢] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٧٥- ١٧٧).