الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٠٠ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
و قال عكرمة بن أبى جهل يومئذ [١]: قاتلت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى كل موطن، و أفر منكم اليوم، ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، و ضرار بن الأزور فى أربعمائة من وجوه المسلمين و فرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا و ماتوا، إلا من برأ، منهم ضرار بن الأزور، و أتى خالد بعد ما أصبحوا بعكرمة جريحا، فوضع رأسه على فخذه، و بعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقيه، و جعل يمسح عن وجوههما و يقطر الماء فى حلوقهما، و يقول: كلا، زعم ابن حنتمة أنا لا نستشهد.
و أصيبت يومئذ عين أبى سفيان بن حرب، و كان الأشتر قد شهد اليرموك و لم يشهد القادسية، فخرج يومئذ، رجل من الروم، فقال: من يبارز، فخرج إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقال للرومى: خذها و أنا الغلام النخعي، فقال الرومى: أكثر الله فى قومى مثلك، أما و الله لو لا أنك من قومى لذدت عن الروم، فأما الآن فلا أعينهم.
و فى حديث عبد الرحمن بن غنم، و ذكر قتال المسلمين تلك الليلة، قال: حتى إذا فتح الله على المسلمين من آخر الليل، و قتلوهم حتى الصباح، أصبحوا فاقتسموا الغنائم، و دفنوا قتلى المسلمين، و بلغوا ثلاثة آلاف، و صلى كل أمير على قتلى أصحابه، و دفع خالد بن الوليد العهد إلى أبى عبيدة بعد ما فرغ من القسم، و دفن الشهداء، و تراجع الطلب، فولى أبو عبيدة، (رحمه الله) النفل من الأخماس، فنفل و أكثر. و كتب بالفتح.
قالوا [٢]: و كان فى الثلاثة آلاف الذين أصيبوا: عكرمة و ابنه عمرو، و سلمة بن هشام، و عمرو بن سعيد، و أثبت خالد بن سعيد، فلا يدرى أين مات بعد، و قد تقدم ذكر موت خالد فى غير هذه الوقعة، و هذا مما يقع بين الناقلين من الاختلاف الذي تقدم التنبيه عليه، فالله تعالى أعلم.
و عن عمرو بن ميمون و غيره، ذكروا: أن هرقل كان حج بيت المقدس، قال: فبينا هو يقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه، فجمع الروم و قال: أرى من الرأى أن لا تقاتلوا هؤلاء القوم و أن تصالحوهم، فو الله لئن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام و تأخذوا نصفا و تقر لكم جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشام و يشاركوكم فى جبال الروم، فنخر أخوه و ختنه، و تصدع عنه من كان حوله، فلما رآهم يعصونه و يردون عليه
[١] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٠١).
[٢] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٠٢).