الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٦٤ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
الخلائق بالتفهم معه، ثم أتيناكم بأمر ربنا، نجاهد فى سبيله، و ننفذ لأمره، و نستنجز موعوده، و ندعوكم إلى الإسلام و أحكامه، فإن أجبتمونا تركناكم و رجعنا، و خلفنا فيكم كتاب الله، عز و جل، و إن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزاء، فإن فعلتم و إلا فإن الله، عز و جل، قد أورثنا أرضكم و أبناءكم و أموالكم. فاقبلوا نصيحتنا، فو الله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، و لقتالكم بعد أحب إلينا من صلحكم، و أما ما ذكرت من رثاثتنا و قلتنا فإن إرادتنا الطاعة، و قتالنا الصبر و أما ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتم للرجال و للأمور الجسام و للجد الهزل، و لكنا سنضرب لكم مثلا، و إن مثلكم مثل رجل غرس أرضا، و اختار لها الشجر و الحب، و أجرى لها الأنهار، و زينها بالقصور، و أقام فيها فلاحين يسكنون قصورها، و يقومون على جناتها، فخلفه الفلاحون فى القصور بما لا يحب، و فى الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم، فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم، استعتبهم فكابروه، فدعا إليهم غيرهم، فأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس، و إن أقاموا صاروا خولا لهم يملكونهم و يسومونهم الخسف أبدا، و الله لو لم يكن ما نقول لكم حقا، و لم تكن إلا الدنيا، لما كان لنا عما ضربنا به من لذيذ عيشكم، و رأينا من زبرجكم من صبر، و لقارعناكم أو نغلبكم عليه.
فقال رستم: أ تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا إلينا، فخرجوا من عنده عشيا، فأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، و أرسل إليهم: شأنكم و العبور، فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا و لا كرامة أما شيء قد غلبناكم عليه فلن نرده عليكم، تكلفوا معبرا غير القناطر، فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم.
و ذكر المدائنى أن رستم وجه الجالينوس ليعبر القنطرة، فوقف بحيال زهرة بن جوية، و كان عليها، و قال: ليخرجن إلىّ الموكل بهذا الموضع، فخرج زهرة على فرس كميت أغر ذنوب، معه رمح معلوب، و سيف رث الجفن، فقال له الفارسى: إنك لم توضع هذا الموضع إلا و أنت ركن من أركان أصحابك، و أرى سيفك رث الجفن، قال: إن يكن رث المنظر فإنه حديد الضربة، و قرب إليه الفارسى بالصلح و لم يصرح، و مناه، و قال:
نحسن جواركم و نرفقكم فى معايشكم. فقال زهرة: إنا لم نأتكم نطلب الدنيا بغير آخرة، إنما أتيناكم ندعوكم إلى ديننا، فإن أبيتموه فدنياكم التي تعرضون علينا لنا إن شاء الله، فقال له الفارسى: فخلوا لنا الطريق فنعبر إليكم فنناجزكم، قال: لا، قال: و لم و أنتم تمنون لقاءنا قال: نكره أن نرد عليكم شيئا قد غلبناكم عليه، فرجع إلى رستم فأخبره، فأعظم ذلك، فانصرف الجالينوس، فجلس رستم يفكر فيما أخبره، و غلبته عيناه فنام