الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٢٢ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
محكم بن الطفيل، و استلحم من المسلمين حملة القرآن حتى فنوا إلا قليلا، و هزم كلا الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، و المشركون عسكر المسلمين مرارا، و إذا أجلى المسلمون عن عسكرهم فدخل المشركون أرادوا حمل مجاعة، فلا يستطيعون لما هو فيه من الحديد، و لأنه لا تزال تناوشهم خيل المسلمين، فإذا رجع المسلمون وثبوا على مجاعة ليقتلوه، و قالوا: اقتلوا عدو الله، فإنه رأسهم، و أنهم إن دخلوا عليه أخرجوه، فإذا أشهروا عليه سيوفهم ليقتلوه، حنت عليه أم متمم امرأة خالد و ردتهم عنه، و قالت: إنى له جار، حتى أجارته منهم، و كان مجاعة أيضا، قد أجارها من المشركين مرارا أن يقتلوها على هذا الوجه.
و قد كان مجاعة قال لها لما دفعه إليها خالد لتحسن إساره: يا أم متمم، هل لك أن أحلفك، إن غلب أصحابى كنت لك جارا، و أنت كذلك؟ فقالت: نعم، فتحالفا على ذلك.
و قال عكرمة: حملت حنيفة أول مرة كانت لها الحملة، و خالد على سريره حتى خلص إليه، فجرد سيفه و جعل يسوق حنيفة سوقا، حتى ردهم، و قتل منهم قتلى كثيرة، ثم كرت حنيفة حتى انتهوا إلى فسطاط خالد، فجعلوا يضربون الفسطاط بالسيوف.
قال الواقدى: و بلغنا أن رجلا منهم لما دخلوا الفسطاط، أراد قتل أم متمم، و رفع السيف عليها، فاستجارت بمجاعة، فألقى عليها رداءه، و قال: إنى جار لها فنعمت الحرة كانت، و عيرهم و سبهم [١]، و قال: تركتم الرجال و جئتم إلى امرأة تقتلونها، عليكم بالرجال، فانصرفوا، و جعل ثابت بن قيس يومئذ يقول، و كانت معه راية الأنصار: بئس ما عودتم أنفسكم الفرار يا معشر المسلمين.
و قد انكشف المسلمون حتى غلبت حنيفة على الرحال، فجعل زيد بن الخطاب ينادى، و كانت عنده راية خالد: أما الرحال فلا رحال، و أما الرجال فلا رجال، اللهم إنى اعتذر إليك من فرار أصحابى، و أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، و محكم بن طفيل، و جعل يشتد بالراية، يتقدم بها فى نحر العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، (رحمه الله)، فلما قتل وقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، فقال المسلمون: يا سالم، إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا إن أتيتم من قبلى.
قالوا: و نادت الأنصار ثابت بن قيس و هو يحمل رايتهم: الزمها، فإنما ملاك القوم الراية.
[١] انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨١).