الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٢٠ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
رجاك رجاهما، و لقد خفتك و رجوتك، و لقد علمت أنى قدمت على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، و بايعته على الإسلام، ثم رجعت إلى قومى، و أنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكن كذاب خرج فينا، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: ١٨].
و قد عجلت فى قتل أصحابى قبل التأنى بهم، و الخطأ مع العجلة، فقال خالد: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، و كان رضاك بأمر هذا الكذاب، و سكوتك عنه و أنت أعز أهل اليمامة، و قد بلغك مسيرى، إقرارا له، و رضى بما جاء به، فهلا أبليت عذرا، فتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد و أنكر، و قد تكلم اليشكرى، فإن قلت أخاف قومى، فهلا عمدت إلىّ تريد لقائى، أو كتبت إلىّ كتابا أو بعثت إلىّ رسولا، و أنت تعلم أنى قد أوقعت بأهل بزاخة، و زحفت بالجيوش إليك. فقال مجاعة: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله فعلت. فقال خالد: قد عفوت عن دمك، و لكن فى نفسى من تركك حوجا بعد، فقال مجاعة: أما إذا عفوت عن دمى فلا أبالى.
و كان خالد كلما نزل منزلا و استقر به دعا مجاعة فأكل معه و حدثه، فقال له ذات يوم: أخبرنى عن صاحبك يعنى مسيلمة، ما الذي يقرأ عليكم؟ هل تحفظ منه شيئا؟ قال:
نعم، فذكر له شيئا من رجزه، قال خالد و ضرب بإحدى يديه على الأخرى: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يا مجاعة، أراك رجلا سيدا عاقلا، اسمع إلى كتاب الله عز و جل، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة و قربه حتى لم يكن يعد له فى القرب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: يا أهل اليمامة، صاحبكم و الله كذاب، و ما أظنكم تتهموننى عليه، إنكم لترون منزلتى عنده، و حالى، هو و الله يكذبكم و يأتيكم بالباطل.
قال خالد: فما فعل ذلك البحرانى؟ قال: هرب منه، كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه، فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: فما كان فى هذا ناه و لا زاجر، ثم قال: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة: أخرج لكم حنطة و زؤانا، و رطبا و تمراتا، فى رجز له، فقال خالد: و هذا كان عندكم حقا؟ و كنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غدا أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذا يكفيناهم الله و يعز دينه، فإياه تقاتلون و دينه تريدون.