الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٣٠ - ذكر فتح مصر
و زعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج تخلف فى الحصن بعد المقوقس، و هو رجل من الروم كان واليا على الحصن تحت يدى المقوقس، و كانت سفنهم ملصقة بالحصن، فلما خاف الأعيرج فتح الحصن ركبها هو و أهل القوة و الشرف ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة.
قال أصحاب الحديث من التابعين: فأرسل المقوقس إلى عمرو: إنكم قوم قد ولجتم فى بلادنا و ألححتم على قتالنا، و طال مكثكم فى أرضنا، و إنما أنتم عصبة يسيرة و قد أظلتكم الروم معهم العدة و السلاح، و أحاط بكم هذا النيل، و إنما أنتم أسارى فى أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتى الأمر فيما بيننا و بينكم على ما تحبون و نحب، و ينقطع عنا و عنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام و لا نقدر عليه، و لعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم و رجائكم.
فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس بهذا حبسهم عنده يومين و ليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أ ترون أنهم يقتلون الرسل و يحبسونهم و يستحلون ذلك فى دينهم؟ و إنما أراد عمرو أن يروا حال المسلمين، ثم رد عمرو إلى المقوقس رسله، و قال لهم: إنه ليس بينى و بينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا، و كان لكم ما لنا، و إما أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد و أنتم صاغرون، و إما جاهدناكم بالصبر و القتال حتى يحكم الله بيننا و بينكم و هو خير الحاكمين.
فلما جاءوا إلى المقوقس قال لهم: كيف رأيتم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، و التواضع أحب إليه من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة و لا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، و أكلهم على ركبهم، و أميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم و لا السيد فيهم من العبد، و إذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم، يغسلون بالماء أطرافهم، و يخشعون فى صلاتهم.
فقال عند ذلك المقوقس: و الذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها و ما يقوى على قتال هؤلاء أحد، و لئن لم نغتنم صلحهم اليوم و هم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض و قووا على الخروج من موضعهم.
فرد إليهم المقوقس رسله: أن ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم و نتداعى نحن و هم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا و لكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، و أمره عمرو أن يكون