الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٠ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
فلما قالوا هذا القول و فسره الترجمان لمعاذ، سكتوا، فقال معاذ للترجمان: أ قد فرغوا؟
قال: نعم، قال: فأفهم عنى، إن أول ما أنا ذاكر: حمدا لله الذي لا إله إلا هو، و الصلاة على محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أول ما أدعوكم إليه أن تؤمنوا بالله وحده، و بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أن تصلوا صلاتنا، و تستقبلوا قبلتنا، و أن تستسنوا بسنة نبينا، و تكسروا الصليب، و تجتنبوا شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا و نحن منكم، و أنتم إخواننا فى ديننا، لكم ما لنا و عليكم ما علينا، و إن أبيتم، فأدوا الجزية فى كل عام إلينا عن يد و أنتم صاغرون، فإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شيء مما خلق الله نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا، و هو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به و ما ندعوكم إليه.
و أما قولكم: ما أدخلكم بلادنا و تركتم أرض الحبشة و ليسوا منكم ببعيد، و أهل فارس و قد هلك ملكهم، فإنى أخبركم عن ذلك، ما بدأنا بقتالكم أن يكونوا آثر عندنا منكم، إنكم جميعا لسواء، و ما حابيناهم بالكف عنهم إذ بدأنا بكم، و لكن الله تبارك و تعالى، أنزل فى كتابه على نبينا (صلى اللّه عليه و سلم): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: ١٢٢]، فكنتم أقرب إلينا منهم، فبدأنا بكم لذلك، ثم لقد أتتهم طائفة منا بعدنا، فإنهم اليوم ليقاتلونهم، و إنا لنرجو أن يعزهم الله و يفتح عليهم، و أما قولكم: إن ملكنا حى، و إن جنودنا عظيمة، و إنا عدد نجوم السماء و حصى الأرض و تؤيسونا من الظهور عليكم، فإن الأمر فى ذلك ليس إليكم، و إن الأمور كلها لله، و كل شيء فى قبضته و قدرته، و إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فإن يكن ملككم هرقل فإنما ملكنا نحن الله تبارك و تعالى، و أميرنا رجل منا، إن عمل فينا بكتاب ربنا و سنة نبينا أقررناه، و إن غير عزلناه، و لا يحتجب منا، و لا يتكبر علينا، و لا يستأثر علينا فى فيئنا الذي أفاء الله عز و جل، علينا، و هو فيه كرجل منا. و أما جنودنا، فإنها و إن عظمت و كثرت حتى تكون أكثر من نجوم السماء و حصى الأرض، فإنا لا نثق بها و لا نتكل عليها، و لكنا نتبرأ من الحول و القوة، و نتوكل على الله و نثق به، و كم من فئة قليلة قد أعزها الله و نصرها و أعانها، و كم من فئة كثيرة قد أذلها الله سبحانه، و أهانها قال الله تبارك و تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩].
و أما قولكم: كيف تستحلون قتالنا و أنتم مؤمنون بنبينا و كتابنا، فأنا أخبركم عن ذلك: نحن نؤمن بنبيكم، و نشهد أنه عبد من عباد الله و رسول من رسل الله، و أن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، و لا نقول: إنه الله، و لا أنه