الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٥ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
و أهل الصحراء و الحجر و البؤس و الشقاء، أ فأنتم تطمعون أن نتخلى لكم عن بلادنا، بئس ما طمعتم فيه منا، و قد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا و نحن ننفى كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض و قحط المطر، فعثتم فى بلادنا و أفسدتم كل الفساد، و قد ركبتم مراكبنا، و ليست كمراكبكم، و لبستم ثيابنا، و ليست كثيابكم، و طعمتم من طعامنا و ليس كطعامكم، و أصبتم منا و ملأتم أيديكم من الذهب الأحمر و الفضة البيضاء، و المتاع الفاخر، و لقد لقيناكم الآن و ذلك كله لنا، و هو فى أيديكم، فنحن نسلمه لكم، فاخرجوا به و انصرفوا عن بلادنا، فإن أبت أنفسكم إلا أن تخرجوا و تشرهوا و أردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما نقوى به الضعيف منكم، و يرى الغائب أن قد رجع إلى أهله بخير فعلنا، و نأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار و نأمر لك بمثلها، و نأمر لرؤسائكم بألف دينار ألف دينار، و نأمر لجميع أصحابك لكل واحد منهم بمائة دينار، على أن تحلفوا لنا بالأيمان المغلظة أن لا تعودا إلى بلادنا، ثم سكت.
فقال خالد: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، فلما فسر ذلك الترجمان، رفع باهان يديه إلى السماء، ثم أشار إليه بيده، و قال لخالد: نعم ما قلت، قال خالد: و أشهد أن محمدا رسول الله، فلما فسرها الترجمان قال باهان: الله أعلم، ما أدرى لعله كما تقول، ثم قال خالد: أما بعد، فإن كل ما ذكرت به قومك من الغنى و العز و منع الحريم و الظفر على الأعداء و التمكن فى البلاد نحن به عارفون، و كل ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم منا فقد عرفناه، و ذلك لأمر كنتم تصلحون به دنياكم زيادة فى ملككم و عزا لكم أ لا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم قد دخلوا فى دينكم و هم يقاتلوننا معكم، و أما ما ذكرتنا به من رعى الإبل و الغنم، فما أقل ما رأيت واحدا منا يكرهه، و ما لمن يكرهه منا فضل على من يفعله، و أما قولك: إنا أهل الصحراء و الحجر و البؤس و الشقاء، فحالنا و الله كما وصفته و ما ننتفى من ذلك و لا نتبرأ منه، و كنا على أسوأ و أشد مما ذكرت، و سأقص عليك قصتنا و أعرض عليك أمرنا و أدعوك إلى حظك إن قبلت، ألا إنا كنا معشر العرب أمة من هذه الأمم، أنزلنا الله و له الحمد منزلا من الأرض ليست به أنهار جارية و لا يكون فيه من الزرع إلا القليل، و جل أرضنا المهامة و القفار، و كنا أهل الحجر و مدر و شاة و بعير و عيش شديد و بلاء دائم لازم، نقطع أرحامنا، و نقتل خشية الإملاق أولادنا، و يأكل قوينا ضعيفنا، و كثيرنا قليلنا، و لا تأمن قبيلة منا قبيلة إلا أربعة أشهر من السنة، نعبد من دون الله أوثانا و أصناما ننحتها بأيدينا من الحجارة التي نختارها على أعيننا،