الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٠٧ - وقعة مرج الصفر
ابن الوليد من الميسرة فهزم من يليه منهم، و حمل سعيد بن زيد بالخيل على عظم جمعهم، فهزمهم الله و قتلهم، و اجتث عسكرهم، و رجع الناس، و قد ظفروا و قتلوهم كل قتلة، و ذهب المشركون على وجههم، فمنهم من دخل مدينة دمشق مع أهلها، و منهم من رجع إلى حمص، و منهم من لحق بقيصر.
و عن عمرو بن محصن: أن قتلاهم يومئذ و هو يوم مرج الصفر كانت خمسمائة فى المعركة، و قد تلوا و أسروا نحوا من خمسمائة أخرى.
و قال أبو أمامة فيما رواه عنه يزيد بن يزيد بن جابر: كان بين أجنادين و بين يوم مرج الصفر عشرون يوما. قال: فحسبت ذلك فوجدته يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه، بأربعة أيام.
ثم إن الناس أقبلوا عودهم على بدئهم حتى نزلوا دمشق، فحاصروا أهلها و ضيقوا عليهم، و عجز أهلها عن قتال المسلمين، و نزل خالد منزله الذي كان ينزل به على باب الشرقى، و نزل أبو عبيدة منزله على باب الجابية، و نزل يزيد بن أبى سفيان جانبا آخر، فكان المسلمون يغيرون، فكلما أصاب رجل نفلا جاء بنفله حتى يلقيه فى القبض، لا يستحل أن يأخذ منه قليلا و لا كثيرا، حتى إن الرجل منهم ليجىء بالكبة الغزل أو بالكبة الصوف أو الشعر أو المسلمة أو الإبرة فيلقيها فى القبض، لا يستحل أن يأخذها، فسأل صاحب دمشق بعض عيونه عن أعمالهم و سيرتهم، فوصفهم له بهذه الصفة فى الأمانة، و وصفهم بالصلاة بالليل و طول القيام، فقال: هؤلاء رهبان بالليل أسد بالنهار، لا و الله ما لى بهؤلاء طاقة، و ما لى فى قتالهم خير.
قال: فراود المسلمين على الصلح، فأخذ لا يعطيهم ما يرضيهم، و لا يبايعونه على ما يسأل، و هو فى ذلك لا يمنعه من الصلح و الفراغ إلا أنه قد بلغه أن قيصر يجمع الجموع للمسلمين، يريد غزوهم، فكان ذلك مما يمنعه من تعجيل الصلح.
و على تعبئة ذلك بلغ المسلمين الخبر بوفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، و استخلافه عمر رضى الله عنهما، و ما تبع ذلك من صرف خالد بأبى عبيدة، حسبما يأتى تفصيله و بيانه إن شاء الله تعالى.