الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥١١ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
دجلة و جبلها، و لكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أ ما شبعتم لا أشبع الله بطونكم؟
فبدر الناس أبو مفرز الأسود بن قطبة، و قد أنطقه الله، عز و جل، بما لا يدرى ما هو و لا نحن، فأجابه بالفارسية و لا يعرف منها شيئا هو و لا نحن، فرجع الرجل و رأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفرز ما قلت له؟ قال: لا و الذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما هو، و إلا أنى علتنى سكينة، و أرجو أن أكون أنطقت بالذى هو خير، و انتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد، فجاءنا فقال: يا أبا مفرز ما قلت له؟ فو الله إنهم لهراب، فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى فى الناس، ثم نهد بهم، فما ظهر على المدينة أحد و لا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمناه، فقال: ما بقى أحد فيها فما يمنعكم، فتسورها الرجال، و افتتحناها، فما وجدنا فيها شيئا و لا أحدا، إلا أسارى أسرناهم خارجا منها، فسألناهم و ذلك الرجل: لأى شيء هربوا؟ فقال: بعث إليكم الملك يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه أنه لا يكون بيننا و بينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريذون بأترج كوثى، فقال الملك: وا ويلة أ لا أرى الملائكة تكلم على ألسنتهم، ترد علينا و تجيبنا عن العرب، و و الله لئن لم يكن كذلك، ما هو إلا شيء ألقى علىّ فى هذا الرجل لننتهى، فأرزوا إلى المدينة القصوى.
قالوا: و لما دخل سعد و المسلمون بهرسير أمر بها فثلمت و تحول العسكر إليها و لاح لهم و ذلك فى جوف الليل القصر الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر، أبيض كسرى هذا ما وعد الله و رسوله، و تابعوا التكبير حتى أصبحوا.
و قال القعقاع بن عمرو:
أ لم يأتيك و الأخبار تنمى* * * و تصعد فى الملمعة الفياف
توافينا و منزلنا جميعا* * * أمام الخيل بالسمر الثقاف
قسمنا أرضهم قسمين حتى* * * نزلنا مثل منزلهم كفاف
دعاء ما دعونا آل كسرى* * * و قد هم المرازب بانصراف
و ما أن طبهم جبن و لكن* * * رميناهم بداعية ذعاف
فتحنا بهرسير بقول حق* * * أتانا ليس من سجع القوافى
و قد طارت قلوب القوم منا* * * و ملوا الضرب بالبيض الخفاف
و لما نزل سعد بهرسير، و هى المدينة الدنيا من المدائن، طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها، فلم يقدر على شيء، و وجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا أياما يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، و دجلة قد طما ماؤها يتدفق جانباها،