الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٣٩ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
أقبل سلمة بن عمير الحنفى، و كان من شياطينهم، فقال لمجاعة: استأذن لى على الأمير، فإن لى إليه حاجة، فأبى مجاعة عليه، و قال: ويحك يا سلمة، ابق على نفسك، فقد آن لك أن تبصر ما أنت فيه، و الله لكأنى أنظر إلى خالد بن الوليد قد أمر بك فضربت عنقك.
فقال سلمة: ما بينى و بين خالد من عتاب، قد قتل قومى، فلهى عنه مجاعة، يطلب غرة من خالد، فأقبل مع الناس الذين يدخلون عليه، فلما رآه خالد التفت إلى مجاعة، فقال: و الله إنى لأعرف فى وجه هذا الشر، فقام إليه مجاعة و هو يخافه على الذي ظن به، فإذا هو مشتمل على السيف، فقال: يا عدو الله، لعنك الله، لقد أردت أن تستأصل حنيفة، و الله لو قتلته ما بقى من حنيفة صغير و لا كبير إلا قتل، ثم لببه بثوبه، و جعل يتله حتى أدخله بيتا، ثم أوثقه فى الحديد، و أغلق عليه، فأفلت من الليل و معه سيف، فوقع فى حائط من حوائط اليمامة، و علم شأنه و ما أراد من ضرب خالد بالسيف، و كان خالد قد أمر به أن تضرب عنقه، فكلمه فيه مجاعة، و قال: هبه لى يا أبا سليمان، فوهبه له، و قال له: أحسن أدبه، فذلك حين حذره مجاعة، فخرج بالسيف و اكتنفه أهل اليمامة، فلما رأى ذلك أمال السيف على حلقه، فقطع أوداجه، و سقط فى بئر هناك، فانقطع ذكره.
و حدث زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كان أبو بكر حين وجه خالدا إلى اليمامة، رأى فى النوم كأنه أتى بتمر من تمر هجر [١]، فأكل منها تمرة واحدة وجدها نواة على خلقة التمرة، فلاكها ساعة ثم رمى بها، فتأولها، فقال: ليلقين خالد من أهل اليمامة شدة، و ليفتحن الله على يديه إن شاء الله، فكان أبو بكر يستروح الخبر من اليمامة بقدر ما يجىء رسول خالد، فخرج أبو بكر يوما بالعشى إلى ظهر الحرة، يريد أن يبلغ صرارا، و معه عمر بن الخطاب و سعيد بن زيد و طلحة بن عبيد الله، و نفر من المهاجرين و الأنصار، فلقى أبا خيثمة النجارى قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ما وراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير يا خليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة، قال: فسجد أبو بكر، قال أبو خيثمة: و هذا كتاب خالد إليك، فحمد الله أبو بكر و أصحابه، ثم قال:
أخبرنى عن الوقعة، كيف كانت؟.
فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد، و كيف صف أصحابه، و كيف انهزم المسلمون، و من قتل منهم، و جعل أبو بكر يسترجع و يترحم عليهم، و جعل أبو خيثمة
[١] هجر: بفتح أوله و ثانيه، مدينة البحرين، و هى معرفة لا تدخلها الألف و اللام، سميت بهجر بنت مكنف من العماليق. انظر: الروض المعطار (٥٩٢)، معجم ما استعجم (٤/ ١٣٤٦).