الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٢٩ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
بحاجتكم من ثم، و أقيموا الترجمان بينى و بينكم، يفهمنى ما تقولون، و يفهمكم ما أقول، ثم أمسك برأس فرسه و جلس على الأرض عند طرف البساط. فقالوا له: لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك، إن جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك، و إن جلوسك على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه، فلا نراك إلا قد أزريت بنفسك.
فلما أخبره الترجمان بمقالتهم جثا على ركبتيه و استقبل القوم بوجهه، و قال للترجمان:
قل لهم: إن كانت هذه المكرمة التي تدعوننى إليها استأثرتم بها على من هو مثلكم إنما هى للدنيا، فلا حاجة لنا فى شرف الدنيا و لا فى فخرها، و إن زعمتم أن هذه المجالس و الدنيا التي فى أيدى عظمائكم و هم مستأثرون بها على ضعفائكم مكرمة لمن كانت فى يده منكم عند الله، فهذا خطأ من قولكم، و جور من فعلكم، و لا يدرك ما عند الله بالخطإ، و لا بخلاف ما جاء به الأنبياء عن الله من الزهادة فى الدنيا.
و أما قولكم إن جلوسى على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه، ألا فصنيع العبد بنفسه صنعت، أنا عبد من عبيد الله جلست على بساط الله، و لا أستأثر من مال الله بشيء على إخوانى من أولياء الله، و أما قولكم أزريت بنفسى فى مجلسى، فإن كان ذلك إنما هو عندكم و ليس كذلك عند الله، فلست أبالى كيف كانت منزلتى عندكم إذا كنت عند الله على غير ذلك، و إن قلتم أن ذلك عند الله فقد أخطأتم خطأ بينا، لأن أحب عباد الله إلى الله المتواضعون لله القريبون من عباد الله، الذين لا يشغلون أنفسهم بالدنيا، و لا يدعون التماس نصيبهم من الآخرة.
فلما فسر لهم الترجمان هذا الكلام نظر بعضهم إلى بعض و تعجبوا مما سمعوا منه، و قالوا لترجمانهم: قل له: أنت أفضل أصحابك؟ فلما قال له، قال: معاذ الله أن أقول ذلك، و ليتنى لا أكون شرهم، فسكتوا عنه ساعة لا يكلمونه، و تكلموا فيما بينهم، فلما رأى ذلك قال لترجمانهم: إن كانت لهم حاجة فى كلامى و إلا انصرفت عنهم، فلما أخبرهم قالوا: قل له: أخبرونا ما تطلبون؟ و إلام تدعون؟ و لما ذا دخلتم بلادنا و تركتم أرض الحبشة و ليسوا منكم ببعيد، و أهل فارس و قد هلك ملكهم و هلك ابنه، و إنما يملكهم اليوم النساء، و نحن ملكنا حى و جنودنا عظيمة، و إن أنتم افتتحتم من مدائننا مدينة أو من قرانا قرية أو من حصوننا حصنا أو هزمتم لنا جندا أظننتم أنكم ظفرتم بجماعتنا أو قطعتم عنكم حربنا و فرغتم مما وراءنا، و نحن عدد نجوم السماء و حصى الأرض؟ و أخبرونا بم تستحلون قتالنا و أنتم تؤمنون بنبينا و كتابنا؟.