الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٩٣ - خبر اليوم الرابع من أيام القادسية
و قد تبوأ فيه حمام، فطرن فنفر الفرس فشب، فانفجر ما كان من قروحه و خرج، فوقف و حض المسلمون و قال: لا تكون هذه الأعاجم أصبر على المقارعة منكم، و اعلموا أن القوم ملوا إن كنتم مللتم، فنشط الناس.
و فى حديث غير هذا أن جريرا البجلى قال فى ذلك اليوم:
أنا جرير كنيتى أبو عمرو* * * قد نصر الله و سعد فى القصر
و قال رجل من المسلمين، أيضا:
نقاتل حتى أنزل الله نصره* * * و سعد بباب القادسية معصم
فأبنا و قد أمت نساء كثيرة* * * و نسوة سعد ليس فيهم أيم
فلما بلغ ذلك من قولهما سعدا خرج إلى الناس فاعتذر إليهم و أراهم ما به من القروح فى فخذيه، فعذره الناس، و قال سعد يجيب جريرا من أبيات:
و ما أرجو بجيلة غير أنى* * * أؤمل أجرهم يوم الحساب
و فى حديث يروى عن قيس بن أبى حازم [١]، و كان شهد تلك الحرب أن الفرس لما انهزموا لحقوا بدير قرة و ما وراءه، و نهض سعد بالمسلمين حين نزل بدير قرة على من هناك من الفرس، و قدم عليه بالدير عياض بن غنم فى ألف رجل من الشام مددا لهم، فأسهم لهم سعد مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسية، ثم إن الفرس هربت من دير قرة إلى المدائن يريدون نهاوند، و احتملوا معهم الذهب و الفضة و الديباج و الفرند و الحرير و السلاح و ثياب كسرى، و خلوا ما سوى ذلك، و أتبعهم سعد الطلب، فبعث خالد بن عرفطة و وجه معه عياض بن غنم فى أصحابه، و جعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة، و على ميمنتهم جرير بن عبد الله و على الميسرة زهرة بن جوية، و تخلف سعد لما به من الوجع.
فلما أفاق من وجعه أتبع الناس بمن بقى معه من المسلمين حتى أدركهم دون دجلة، فلما وضعوا على دلجة العسكر و الأثقال طلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها، حتى أتى سعدا علج من أهل المدائن فقال: أدلكم على طريق تدركونهم قبل أن يمنعوا، فخرج بهم على مخاضة بقطربل، فكان أول من خاضها هاشم، و أتبعه خيله، ثم جاز خالد بن عرفطة بخيله و تتابع الناس فخاضوا حتى جاوزوا، فزعموا أنه لم يتهد لتلك المخاضة بعد، ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط، فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس
[١] انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧١٦٨).