الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٣٧ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
أنقابها، و يكون الناس بين الحجر و المدر على أقصى حجر من أرض العرب، و أدنى مدرة من أرض العجم، ثم الزم مكانك فلا تبرحه، فإنهم إذا أحسوك أنقضتهم و رموك بجمعهم الذي يأتى على خيلهم و رجلهم و حدهم و جدهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم و احتسبتم بقتالهم، رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجمع لكم مثلهم أبدا إلا أن يجتمعوا، و ليست معهم قلوبهم، و أن تكن الأخرى كان الحجر فى أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ و بها أعلم، و كانوا عنها أجبن و بها أجهل، حتى يأتيكم الله بالفتح، و يرد لكم الكرة، و ليكن منزلك الذي تنزله رحيبا خصيبا، و إذا نزلت منزلا فلا تستأخر عنه، فإن ذلك وهن عليك و جرأة لعدوك، و أذك العيون و اتبع الغرض و لا تأمنن قريبا و لا بعيدا، و صف لى منزلك الذي تنزله، و كم بينك و بين أول عدوك و آخره، و كيف مأتاهم، و سم لى المنزل، فإنه ألقى فى روعى أنكم ستفتحون فارس، و أنكم الأعلون.
و فى رواية أنه كتب إليه باليوم الذي يرتحل فيه من شراف، و أين ينزل بالناس فيما بين عذيب و الهجانات، و عذيب و القوادس، و أن يشرف بالناس و يغرب بهم. فارتحل سعد عن شراف يريد أن ينزل منزلا على ما كتب به إليه عمر، فانتهى إلى المغيثة، فأقام و بنى مسجدا بين الفرعاء و المغيثة، و قدم بين يديه زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الجوية يرتاد له منزلا، فأقبل زهرة حتى انتهى إلى العذيب، و كتب إلى سعد فأقبل فى أثره، فنزل المسلمون ما بين العذيب إلى القادسية، و هى أحساء، فقال فى ذلك النعمان بن مقرن المزنى، و تروى لغيره:
نزلنا بأحساء العذيب و لم تكن* * * لنا همة إلا اختيار المنازل
لنحوى أرضا أو نناهب غارة* * * يضج لها ما بين بصرى و بابل
و نزل زهرة القادسية بين العتيق و الخندق بحيال القنطرة و قديس، و هى يومئذ أسفل منها بميل، و كتب سعد إلى عمر: إنا نزلنا من القادسية و العذيب منزلا خصيبا رحيبا على أقصى حجر من أرضنا و أدنى مدرة من أرض عدونا، فأما عن يسار القادسية فبحر أخضر لاج إلى الحيرة بين طرفين، أما أحدهما فعلى الظهر، و أما الآخر فعلى شاطئ نهر يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق و الحيرة، و أما عن يمين القادسية ففيض من فيوض مياههم، و بيننا و بين أدنى عدونا منا خمسة عشر ميلا، و لم يبلغنى من الذي أسندوا إليه أمرهم إلى أن كتبت إليك، و متى يبلغنى ذلك أكتب به إليك إن شاء الله، و نحن متوكلون على الله راجعون له.