الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٦٧ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
عامر بالمدد، و قد كان أبو بكر رضى الله عنه، وجه سعيدا هذا إلى الشام فى جيش، فكان مع أبى عبيدة حتى شهد معه وقعة فحل، ثم أرسله أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، فقدم به عليه، ثم حج بعد و رجع إلى المدينة، فلم يزل مقيما بها حتى بعثه عمر بهذا المدد.
قال حسان بن عطية [١]: لما عقد له عمر على من وجهه معه، قال له: يا سعيد، إنى قد وليتك على هذا الجيش، و لست بخير رجل منهم إلا أن تكون أتقى لله منه، فلا تشتم أعراضهم، و لا تضرب أبشارهم، و لا تحقر ضعيفهم، و لا تؤثر قويهم، و كن للحق تابعا، و لا تتبع هواك سادرا، فإنه إن بلغنى عنك ما أحب لم يعدمك منى ما تحب! فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين، إنك قد أوصيتنى، فاستمعت منك، فاستمع منى أوصك. قال:
هات، فقد آتاك الله علما يا سعيد، قال: يا أمير المؤمنين، خف الله فى الناس، و لا تخف الناس فى الله، و احبب لقريب الناس و بعيدهم ما تحب لنفسك و أهل بيتك، و اكره لهم ما تكره لنفسك و أهل بيتك، و الزم الأمر ذا الحجة يكفك الله ما أهمك و يعنك على ما أمرك و ما و لك، و لا تقضين فى أمر واحد بقضاءين فيختلف قولك و فعلك، و يلتبس الحق بالباطل، و يشتبه عليك الأمر، فتزيغ عن الحق، و خض الغمرات إلى الحق حيث علمته، و لا يأخذك فى الله لومة لائم.
قال: فأكب عمر طويلا و فى يده عصا له و هو واضع جبهته عليها، ثم رفع رأسه و دموعه تسيل، فقال: لله أبوك يا سعيد، و من يستطيع هذا الذي تذكر؟ قال: من طوق ما طوقت، و حمل ما حملت من هذا الأمر، و إنما عليك أن تأمر فتطاع، أو تعصى فتبوأ بالحجة، و يبوء بالمعصية.
و عن الحارث بن عبد الله الأزدى، قال [٢]: لما نزل أبو عبيدة اليرموك و ضم إليه قواصيه و جاءتنا جموع الروم يجرون الشوك و الشجر، و معهم القسيسون و الرهبان و الأساقفة، يقصون عليهم و يحرضونهم، خافهم المسلمون، فما كان شيء أحب إليهم من أن يخرجوا لهم و يتنحوا عن بلادهم حتى يأتيهم مدد، يرون أنهم يقوون به على من جاءهم من الروم، فاستشار أبو عبيدة الناس، فكلهم أشار عليه بالخروج من الشام، إلا خالد بن الوليد، فإنه أشار عليه بالمقام، و قال له: خلنى و الناس و دعنى و الأمر و ولنى ما وراء بابك فأنا أكفيك بإذن الله أمر هذا العدو، فقال له أبو عبيدة: شأنك بالناس،
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٨٦- ١٨٧).
[٢] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٨٧- ١٩٩).