الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٤٩ - ذكر فتح مصر
و عن محمد بن إسحاق [١] عن رجل من أهل مصر اسمه القاسم بن قزمان: أن زياد ابن جزء الزبيدى حدثه و كان فى جند عمرو بن العاص، قال: افتتحنا الإسكندرية فى خلافة عمر، فلما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا و بين الإسكندرية قرية قرية، حتى انتهينا إلى بلهيب و قد بلغت سبايانا مكة و المدينة و اليمن، فلما انتهينا إلى بلهيب [٢] أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص: إنى قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلىّ منكم يا معشر العرب، لفارس و الروم، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علىّ ما أصبتم من سبايا أرضى فعلت، فبعث إليه عمرو: إن ورائى أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه، فإن شئت أن أمسك عنك و تمسك عنى حتى أكتب إليه بالذى عرضت علىّ، فإن قبل ذلك منك قبلت، و إن أمرنى بغير ذلك مضيت لأمره.
قال: فقال: نعم. فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال: و كانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به، ثم وقفنا ببلهيب و فى أيدينا بقايا من سبيهم، و أقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءه، و قرأه علينا عمرو و فيه:
«أما بعد: فإنه جاء فى كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض عليك أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبايا أرضه، و لعمرى لجزية قائمة تكون لنا و لمن بعدنا من المسلمين أحب إلىّ من فيء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية، على أن تخيروا من فى أيديكم من سبيهم بين الإسلام و بين دين قومه، فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين، له ما لهم و عليه ما عليهم، و من اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل ذمته، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب و بلغ مكة و المدينة و اليمن فإنّا لا نقدر على ردهم، و لا نحب أن نصالحه على أمر لا نفى له به».
قال: فبعث عمرو بن العاص إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين، فقال: قد فعلت، فجمعنا ما فى أيدينا من السبايا، و اجتمعت النصارى، فجعلنا نأتى بالرجل ممن فى أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام و بين النصرانية، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة لهى أشد من تكبيرتنا حين تقتحم القرية، ثم نجوزه إلينا، و إذا اختار النصرانية نخرت النصارى و حازوه إليهم، و وضعنا عليه الجزية، و جزعنا من ذلك جزعا
[١] انظر: الطبرى (٤/ ١٠٥، ١٠٦).
[٢] بلهيب: قرية من قرى الريف، يقال لها: الريش. انظر: الطبرى (٤/ ١٠٥)، معجم البلدان (١/ ٤٩٢).