الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٠٧ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
فإنه آية الإسلام، و إذا رآه من يأتى فى مستقبل الزمان علم أن أصحاب مملكته لم يغلبوا عليه إلا بأمر من عند الله و بتأييد أمد به المسلمين الذين قهروهم، و بقاؤه فخر لكم و ذكر، و مع هذا فالمؤونة فى هدمه أكثر من العائد عليه، فاستغشه المنصور فى ذلك، و قال له: يا خالد، أبيت إلا ميلا مع العجمية، ثم أمر بنقض الإيوان، فبلغت النفقة فى نقض الشيء اليسير منه مبلغا عظيما، فكتب إليه بذلك فعزم على تركه، و قال لخالد بن برمك: قد صرنا إلى رأيك، فقال له خالد: إن رأيى الآن أن تبلغوا به الماء، فقال له المنصور: و كيف ذلك؟ قال: لأنى آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه و الهدم أسهل من البناء. ففكر المنصور فى قوله فعلم أنه قد صدق، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه. و كان بعد يقول: لقد حبب إلىّ هذا البناء أن لا أبنى إلا بناء جليلا يصعب هدمه.
و قد بشر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابه بالاستيلاء على مملكة فارس و وعدهم بافتتاح المدائن، فضرب يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة اعتاصت عليهم فى الخندق، فكسر ثلثها بضربة، و قال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، و الله إنى لأبصر قصورها الحمر الساعة»، ثم ضرب الثانية فكسر ثلثها الثانى و قال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، و الله إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض»، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر و قال:
«الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، و الله إنى لأرى أبواب صنعاء من مكانى هذا الساعة» فصدق الله وعده و أنجز لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) ما بشرهم به و استأصل بهم مملكة فارس، و فتح عليهم المدائن فى زمان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر سيف بن عمر عمن سماه من رجاله [١] و ربما زدت فى تضاعيفه من حديث غيره، قالوا: عهد عمر، رضى الله عنه، إلى سعد حين أمره بالمسير إلى المدائن أن يخلف النساء و العيال بالعتيق، و يجعل معهم كثفا من الجند ففعل، و عهد إليه أن يشركهم فى كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين فى عيالاتهم قالوا: و كان مقام سعد بالقادسية بعد الفتح شهرين فى مكاتبة عمر، رضى الله عنه، فى العمل بما ينبغى، فقدم سعد زهرة بن جوية نحو اللسان، و هو لسان البحر الذي أدلعه فى الريف، و عليه الكوفة اليوم، و كانت عليه قبل اليوم الحيرة، و كان النخيرجان معسكرا به فأرفض و لم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه، و لحق بأصحابه. ثم أمر سعد عبد الله بن المعتم أن يتبع زهرة و أمر شرحبيل بن السمط أن يتبع عبد الله ثم أتبعهم هاشم بن عتبة و ولاه خلافته التي كان
[١] انظر: الطبرى (٣/ ٦١٨).