الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥١٥ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
قالوا: و ما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على ماء الفراض يمنعون المسلمين من العبور، حتى ناداهم مناد: علام تقتلون أنفسكم؟ فو الله ما فى المدائن من أحد، فانهزموا و اقتحمتها الخيول عليهم، و لما دخلها سعد فرأى خلوتها و انتهى إلى إيوان كسرى أقبل يقرأ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [الدخان: ٢٥، ٢٨]، و صلى فيه صلاة الفتح، و لا تصلى جماعة، فصلى ثمانى ركعات لا يفصل بينهن، و اتخذ الإيوان مسجدا، و فيه تماثيل الجص رجال و خيل، فلم يمتنع هو و لا المسلمون، يعنى من الصلاة فيه، لأجلها، و تركوها على حالها، و أتم سعد الصلاة يوم دخلها لأنه أراد المقام بها. و بالمدائن كانت أول جمعة جمعت بالعراق فى صفر سنة ست عشرة. و وكل سعد بالإقباض من يجمعها [١]، و أمره بجمع ما فى القصر و الإيوان و منازل كسرى و سائر الدور، و إحصاء ما يأتيه به الطلب، و قد كان أهل المدائن تأهبوا عند المدائن للغارة، ثم طاروا فى كل وجه، فما أفلت أحد منهم بشيء و لا بخيط، ألح عليهم الطلب فتنفذوا ما فى أيديهم، و رجعوا بما أصابوا من الأقباض، فضموها إلى ما قد جمع.
و قال حبيب بن صبهان: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، فما حسبناها إلا طعاما، فإذا هى آنية الذهب و الفضة و قسمت بعد بين الناس.
قال: و لقد رأيت الرجل يطوف و يقول: من معه بيضاء بصفراء؟ و أتينا على كافور كثير فما حسبناه إلا ملحا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته فى الخبز.
و عن الرفيل بن ميسور [٢] قال: خرج زهرة، يعنى ابن الجوية، فى المقدمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النهروان و هم عليه، فازدحموا فوقع بغل فى الماء و عجلوا عنه ثم كلبوا عليه، فقال زهرة: أقسم بالله إن لهذا البغل لشأنا، ما كلب القوم عليه و لا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك بعد ما أرادوا تركه إلا لشىء، فترجل حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه فاحتملوا البغل بما عليه حتى أدوه إلى الأقباض ما يدرون ما عليه، و إذا الذي عليه حلية كسرى، ثيابه و خرزاته و وشاحه و درعه التي كان فيها الجوهر، و كان يجلس فيها للمباهاة.
[١] هو: عمرو بن عمرو بن مقرن.
[٢] انظر: الطبرى (٤/ ١٧).