الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٨٤ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
إن هؤلاء قد تيسروا للشدة عليكم، و لا و الله لا يردهم إلا صدق اللقاء و الصبر فى البأساء، ثم نزل عن فرسه و قال: من أراد أن يأخذ فرسى و يقاتل عليه فليأخذه، فوثب إليه ابنه عبد الرحمن بن معاذ، و هو غلام حين احتلم، فقال: يا أبة، إنى لأرجو أن أكون فارسا أعظم غناء عن المسلمين منى راجلا، و أنت يا أبة راجلا أعظم غناء منك فارسا، و عظم المسلمين رجالة، و إذا رأوك صابرا محتسبا صبروا إن شاء الله و حافظوا، فقال له معاذ: وفقنى الله و إياك يا بنى لما يحب و يرضى، فقاتل معاذ و ابنه قتالا شديدا ما قاتل مثله كثير من المسلمين، ثم إن الروم تحاضوا و تداعوا و قصت عليهم الأساقفة و الرهبان و قد دنوا من المسلمين، فإذا سمع ذلك معاذ منهم قال: اللهم زلزل أقدامهم و أرعب قلوبهم و أنزل علينا السكينة و ألزمنا كلمة التقوى و حبب إلينا اللقاء و رضنا بالقضاء.
قال: و خرج باهان صاحب الروم فجال فى أصحابه و أمرهم بالصبر و القتال دون ذراريهم و أموالهم و سلطانهم و بلادهم، ثم بعث إلى صاحب الميسرة: أن احمل عليهم، و كان على الميسرة الدرنجار، و كان متنسكا، فقال البطارقة و الروم الذين معه: قد أمركم أميركم أن تحملوا، و تهيأت البطارقة ثم شدوا على الميمنة و فيها الأزد و مذحج و حمير و حضرموت و خولان، فثبتوا حين صدموا و اقتتلوا قتالا شديدا، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال، فأزالوا المسلمين عن الميمنة إلى ناحية القلب، و انكشفت طائفة من المسلمين إلى العسكر، و ثبت عظم الناس فلم يزولوا، و قاتلوا تحت راياتهم فلم ينكشفوا، و لم تنكشف زبيد يومئذ، و هى فى الميمنة، و فيهم الحجاج بن عبد يغوث، والد عمرو بن الحجاج، فنادى: يا خيفان يا خيفان، فاجتمعوا إليه، ثم شدوا على الروم و هم فى نحو خمسمائة رجل شدة، فلم يتنهنهوا [١] حتى خالطوا الروم، فقاتلوهم قتالا شديدا، و شغلوهم عن اتباع من انكشف من المسلمين، و شدت عليهم حضرموت و حمير و خولان بعد ما كانوا زالوا، ثم رجعوا إلى مواقفهم حتى وقفوا فى الصف حيث كانوا، و استقبل النساء منهزمة المسلمين بالعناهر يضربن بها وجوههم، و ثبتت الأزد و قاتلت قتالا لم يقاتل مثله أحد من تلك القبائل، و قتل منهم مقتلة لم يقتل مثلها من قبيلة من القبائل، و قتل يومئذ عمرو بن الطفيل، ذو النور، و هو يقول: يا معشر الأزد، لا يؤتين المسلمون من قبلكم، و قاتل قتالا شديدا، قتل من أشدائهم تسعة، ثم قتل هو، ي(رحمه الله).
و قال جندب بن عمرو بن حممة و رفع رايته: يا معشر الأزد، إنه لا يبقى منكم و لا ينجو من الإثم و العار إلا من قاتل، ألا و إن المقتول شهيد، و الخائب من هرب اليوم،
[١] النهنهة: الكف، تقول: نهنهت فلانا فتنهنه، أى كففته فكف.