الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٢٨ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
و قد غلقت دوننا، و ازدحمنا عليهم، فلم نزل حتى فتح الله، و ظفرنا، فله الحمد.
و قال عبد الله بن أبى بكر بن حزم: كان البراء فارسا، و كان إذا حضرته الحرب أخذته رعدة، و انتفض حتى يضبطه الرجال مليا، ثم يفيق فيبول بولا أحمر كأنه نقاعة الحناء، فلما رأى ما يصنع بالناس يومئذ من الهزيمة أخذه ما كان يأخذه، فانتفض و ضبطه أصحابه و جعل يقول: طرونى إلى الأرض، فلما أفاق سرى عنه، و هو مثل الأسد، و هو يقول:
أسعدنى ربى على الأنصار* * * كانوا يدا طرا على الكفار
فى كل يوم ساطع الغبار* * * فاستبدلوا النجاة بالفرار
قال: و ضرب بسيفه قدما، حتى أفرجوا له، و خاض غمرتهم، و ثابت إليه الأنصار كأنها النحل تأوى إلى يعسوبها، و تلاومت الأنصار فيما صنعت.
و حدث عن خالد بن الوليد من سمعه يقول: شهدت عشرين زحفا، فلم أر قوما أصبر لوقع السيوف و لا أضرب بها و لا أثبت أقداما من بنى حنيفة يوم اليمامة، أنّا لما فرغنا من طليحة الكذاب، و لم تكن له شوكة، قلت كلمة و البلاء موكل بالقول: و ما حنيفة، ما هى إلا كمن لقينا فلقينا قوما ليسوا يشبهون أحدا، لما انتهينا إلى عسكرهم نظرت إلى قوم قد قدموا أمام عسكرهم بشرا كثيرا، فقلت: هذه مكيدة، و إذا القوم لم يحفلوا بنا، فعسكرنا منهم بمنظر العين، فلما أمسيت حزرت القوم بنفسى، فإذا القوم نحونا، فبتنا فى عسكرنا، و باتوا فى عسكرهم.
فلما طلع الفجر قام القوم إلى التعبئة، و ثرنا معهم فى غدوة باردة، و صففت صفوفى، و صفوا صفوفهم، ثم أقبلوا إلينا يقطعون قطوا، قد سلوا السيوف، فكبرت، و رأيت ذلك منهم فشلا، فلما دنوا منا نادوا: أن هذا ليس بفشل، و لكنها الهندوانية و خفنا التحطم عليها، فما هو إلا أن واجهونا، حملوا علينا حملة واحدة، و انهزمت الأعراب، و لا ذوا بين أضعاف الصفوف، فانهزم معهم أهل النيات، و أوجعت حنيفة فى أدباركم بالقتل، و تقدمت أضرب بسيفى مرة يشتملون علىّ، و مرة أنفذ منهم، و كر المسلمون كرة ثانية، فحملت بنو حنيفة أيضا، حتى هزموا المسلمين ثلاث مرات. و إنما يهزم بالناس الأعراب.
فناديت فى المسلمين، فذكرتهم الله، و ناديت فى المهاجرين و الأنصار: الله الله، الكرة على عدوكم، فنادى أهل السوابق: أخلصونا، فأخلصوا، لا يخلطهم رجل، فأخلص قوم قد ألح السيف عليهم، و قتل من قتل منهم، و من بقى من أهل النيات منقطع من الجراح،