الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٨ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
قال: فأجمعوا رأيهم جميعا على أن يخرجوا بأجمعهم خرجة واحدة فيناجزوهم فيها و لا يرجعوا عنهم حتى يحكم الله بينهم.
و كتب باهان إلى قيصر: أما بعد، نسأل الله لك أيها الملك و لجندك و أهل مملكتك النصر و لدينك و سلطانك العز، فإنك بعثتنى فيما لا يحصيه من العدد إلا الله، فقدمت على القوم، فأرسلت إليهم فهيبتهم فلم يهابوا، و أطمعتهم فلم يطمعوا، و خوفتهم فلم يخافوا، و سألتهم الصلح فلم يقبلوا، و جعلت لهم الجعل على أن ينصرفوا فلم يفعلوا، و قد ذعر منهم جند الملك ذعرا شديدا، و خشيت أن يكون الفشل قد عمهم، و الرعب قد دخل قلوبهم، إلا أن منهم رجالا قد عرفتهم ليسوا بفرارين عن عدوهم، و لا شكاك فى دينهم، و لو قد لقوهم لم يفروا حتى يظهروا أو يقتلوا، و قد جمعت أهل الرأى من أصحابى، و أهل النصيحة لملكنا و ديننا، فاجتمع رأيهم على النهوض إليهم جميعا، فى يوم واحد، و لا نزايلهم حتى يحكم الله بيننا و بينهم.
قال: و كان باهان قد رأى رؤيا، فذكرها لملك الروم فى كتابه هذا، فقال له: و قد أتانى آت فى منامى، فقال لى: لا تقاتل هؤلاء القوم، فإنهم يهلكونك و يهزمونك، فلما انتبهت عبرت أنه من الشيطان، أراد أن يحزننى، فخسأته [١]، فإن يكن الشيطان فقد خسأته، و إن لم يكن فقد بين لى الأمر، فابعث أنت أيها الملك بثقلك و حرمك و مالك فألحقهم بأقصى بلادك، و انتظر وقعتنا هذه، فإن أظهرنا الله عليهم حمدت الله الذي أعز دينك و منع سلطانك، و إن هم ظفروا علينا، فارض بقضاء الله، و اعلم أن الدنيا زائلة عنك كما زالت عمن كان قبلك، فلا تأسف منها على ما فاتك و لا تغتبط منها بشيء مما فى يديك، و الحق بمعاقلك و دار مملكتك، و أحسن إلى رعيتك و إلى الناس يحسن الله إليك، و ارحم الضعفاء و المساكين ترحم، و تواضع لله يرفعك، فإن الله لا يحب المتكبرين، و السلام.
قال: ثم إن باهان خرج إلى المسلمين فى يوم ذى ضباب و رذاذ، و صف لهم عشرين صفا لا ترى أطرافها، ثم جعل على ميمنته ابن قماطر، و معه جرجير فى أهل أرمينية، و جعل الدرنجار فى ميسرته، و كان من خيارهم و نساكهم، فأقبلوا نحو المسلمين كأنهم أعراض الجبال و قد ملأوا الأرض، فلما نظر إليهم المسلمون و قد أقبلوا كلهم، نهضوا إلى راياتهم، و جاء خالد بن الوليد و يزيد بن أبى سفيان و عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة، و هم الأمراء الذين كان أبو بكر رضى الله عنه، أمرهم إلى أبى عبيدة بن الجراح،
[١] خسأ: طرد و أبعد و دحر. انظر: اللسان (١١٥٥).