الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٥٤ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
ليطعنه عدل طليحة فرسه، فبدر الفارسى بين يديه، فكر عليه طليحة فقسم ظهره بالرمح، ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك، و لحق به آخر و قد رأى مصرع صاحبيه، و هما ابنا عمه، فازداد حنقا ففعل معه طليحة كما فعل معهما، ثم كر عليه و دعاه إلى الإسار، فعرف الفارسى، أنه قاتله، فاستأسر، و أمره طليحة أن يركض بين يديه، ففعل، و لحق الناس، فرأوا فارسى الجند قد قتلا و أسر الثالث، و قد شارف طليحة عسكر المسلمين، فأحجموا و نكصوا.
و أقبل طليحة حتى غشى العسكر، و هم على تعبئة، فأفزع الناس، و جوزوه إلى سعد، فلما انتهى إليه قال: ويحك ما وراءك قال: دخلت عساكرهم و جستها، و قد أخذت أفضلهم توسما، و ما أدرى أصبت أو أخطأت و ها هو ذا فاستخبره. فأقيم الترجمان بين سعد و بين الفارسى، فقال الفارسى: أ تؤمنني على دمى إن صدقتك؟ قال: نعم، و الصدق فى الحرب أحب إلينا من الكذب، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلى، باشرت الحرب و غشيتها، و سمعت بالأبطال و لقيتها مذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى، فلم أر و لم أسمع بمثل هذا، أن رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة و العشرة إلى ما هو دون ذلك، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند و هتك أطناب بيته، و طلبناه فأدركه الأول و هو فارس الناس، يعدل بألف فارس، فقتله، ثم أدركه الثانى، و هو نظيره فقتله، ثم أدركته و لا أظننى خلفت بعدى من يعدلنى، و أنا الثائر بالقتيلين، و هما ابنا عمى، فرأيت الموت فاستأسرت ثم أخبره عن أهل فارس، أن الجند عشرون و مائة ألف، و أن الأتباع مثلهم خدام لهم. و أسلم الرجل و سماه سعد مسلما، و عاد إلى طليحة فقال:
لا و الله ما تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء و الصدق و الإصلاح و المواساة، لا حاجة لى فى صحبة فارس، فكان من أهل البلاء يومئذ.
و عن موسى بن طريف [١] أن سعدا بعث طليحة و عمرو بن معدى كرب، فأمر طليحة بعسكر رستم، و أمر عمرا بعسكر الجالينوس، فخرج فى عدة، و خرج طليحة وحده، فبعث قيس بن هبيرة فى آثارهما، و قال: إن لقيت قتالا فأنت عليهم، فخرج حتى تلقى عمرا، فسأله عن طليحة، فقال: لا علم لى به، فلما انتهيا إلى النجف قال له قيس: ما تريد؟ قال: أن أغير على أدنى عسكرهم، قال: فى هؤلاء قال: نعم، قال: لا أدعك و الله و ذاك أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال: و ما أنت و ذاك قال: إنى أمرت
[١] انظر: الطبرى (٣/ ٥١١).