الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٨٥ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
هواك إلى طاعة ربك، قال: فإن شئت أقمت معك، قال: أما إذا كان هواك الجهاد فلم أكن لآمرك بالمقام، و إنما أردتك للأذان، و لأجدن لفراقك وحشة يا بلال، و لا بد من التفرق فرقة لا التقاء بعدها حتى يوم البعث، فاعمل صالحا يا بلال، و ليكن زادك من الدنيا ما يذكرك الله به ما حييت، و يحسن لك به الثواب إذا توفيت. فقال له بلال:
جزاك الله من ولى نعمة و أخ فى الإسلام خيرا، فو الله ما أمرك لنا بالصبر على الحق و المداومة على العمل بالطاعة ببدع، و ما كنت لأؤذن لأحد بعد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر.
و جاء سعيد على راحلته حتى وقف على أبى بكر و المسلمين، فقال له: إنا نؤم هذا الوجه، فجعله الله وجه بركة، اللهم فإن قضيت لنا التقاء فاجمعنا على طاعتك، و إن قضيت لنا الفرقة فإلى رحمتك، و السلام عليكم، ثم ولى يذهب. فقال أبو بكر: عباد الله، ادعوا الله كيما يصحب صاحبكم و يسلمه، ارفعوا أيديكم رحمكم الله، فرفع القوم أيديهم إلى ربهم و هم أكثر من خمسين رجلا، فقال على رضى الله عنه: ما رفع عدتكم من المسلمين أيديهم إلى ربهم يسألونه شيئا إلا استجاب لهم، ما لم يكن معصية أو قطيعة رحم، فبلغه ذلك بعد ما واقع أرض الشام و قاتل العدو، فقال: رحم الله إخوانى، ليتهم لم يكونوا دعوا لى، قد كنت خرجت و إنى على الشهادة لحريص جاهد، فما هو إلا أن لقيت العدو فعصمنى الله من الهزيمة و الفرار، و ذهب من نفسى ما كنت أعرف من حب الشهادة، فلما خبرت أن إخواني دعوا لى بالسلامة عرفت أنهم استجيب لهم.
و كان أبو بكر أمره أن يلحق بيزيد بن أبى سفيان، فسار حتى لحق به، و شهد معه وقعة العربة و الداثنة.
و عن حمزة بن مالك الهمذانى أنه قدم فى جمع عظيم من همذان [١] على أبى بكر، (رحمه الله)، قال: فقدموا و هم ألفا رجل أو أكثر، فلما رأى أبو بكر عددهم و عدتهم سره ذلك، فقال: الحمد لله على صنيعه للمسلمين، ما يزال الله تعالى، يرتاج لهم بمدد من أنفسهم يشد به ظهورهم و يقصم به عدوهم، قال: ثم إن أبا بكر أمرنا فعسكرنا بالمدينة، و كنت أختلف إلى أبى بكر غدوة و عشية، و عنده رجال من المهاجرين و الأنصار، فكان يلطفنى و يدنى مجلسى، و يقول لى: تعلم القرآن، و أسبغ الوضوء، و أحسن الركوع و السجود، و صل الصلاة لوقتها، و أد الزكاة فى حينها، و انصح المسلم، و فارق المشرك،
[١] همذان: بالذال المعجمة، مدينة من عراق العجم من كور الجبل. انظر: الروض المعطار (٥٩٦)، نزهة المشتاق (٢٠٣)، اليعقوبى (٢٧٢).