الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٨٨ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
و كان يقرأها، فقال خالد: إن كنت لأحب أن أراه، فضربه المسلمون حتى قتلوه، و إنه لملفف رأسه بكساء، و اتبعهم المسلمون يقتلونهم كل قتلة، و ركب بعضهم بعضا حتى انتهوا إلى مكان مشرف على أهوية تحتهم، فجعلوا يتساقطون فيها و لا يبصرون، و هو يوم ذو ضباب، و هم يرتكسون فيها، لا يعلم آخرهم ما يلقى أولهم، حتى سقط فيها نحو من مائة ألف رجل، ما أحصوا إلا بالقصب.
و بعث أبو عبيدة شداد بن أوس بن ثابت فعدهم بها من الغد، فوجد من سقط أكثر من ثمانين ألفا، فسميت تلك الأهوية الواقوصة حتى اليوم، لأنهم و قصوا فيها و ما فطنوا لتساقطهم حتى انكشف الضباب فأخذوا فى وجه آخر، و قتل المسلمون منهم فى المعركة بعد ما أدبروا نحوا من خمسين ألفا.
و اتبعهم خالد فى الخيل، فلم يزل يقتلهم فى كل واد و كل شعب و فى كل جبل، حتى انتهى إلى دمشق، فخرج إليه أهلها، و قالوا له: نحن على عهدنا الذي كان بيننا و بينكم، فقال لهم خالد: نعم، و مضى فى اتباعهم يقتلهم فى القرى و الأودية و الجبال حتى انتهى إلى حمص، فخرج إليه أهلها، فقالوا له مثل ما قال أهل دمشق فى العهد، فقال لهم: نعم.
و أقبل أبو عبيدة على قتلى المسلمين، (رحمهم الله) و جزاهم عن الإسلام و أهله خيرا، فدفنهم، فلما فرغ من ذلك جاءه النعمان بن محمية ذو الأنف الخثعمى يسأله أن يعقد له على قومه، فعقد له عليهم، و كانت خثعم قد رأست رجلا آخر منهم من بنى عمرو يدعى ابن ذى السهم، فاختصم هو و ذو الأنف إلى أبى عبيدة فى الرئاسة قبل الوقعة، فأخرهم أبو عبيدة إلى أن يفرغوا من حربهم و يناجزوا عدوهم، ثم ينظر فى أمرهم، فلما التقى الناس استشهد هنالك ابن ذى السهم الخثعمى، فعقد أبو عبيدة للنعمان ذى الأنف على خثعم.
قال: و جاء الأشتر مالك بن الحارث النخعي، فقال لأبى عبيدة: اعقد لى على قومى، فعقد له، و كانت قصته مثل قصة الخثعمى، و ذلك أنه أتى قومه و عليهم رجل منهم فخاصمهم الأشتر فى الرئاسة إلى أبى عبيدة، فدعا أبو عبيدة النخع، فقال: أى هذين أرضى فيكم و أعجب إليكم أن يرأس عليكم؟ فقالوا: كلاهما شريف و فينا رضى و عندنا ثقة، فقال أبو عبيدة: كيف أصنع بكما؟ ثم قال للأشتر: أين كنت حين عقدت لهذا الراية؟ قال: كنت عند أمير المدينة، ثم أقبلت إليكم، قال: فقدمت على هذا و هو رأس