الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣١٧ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
و كان مهلكه و مهلك أبى عبيدة (رحمهما الله)، سنة ثمان عشرة، و قد كان معاذ لما هلك أبو عبيدة كتب إلى عمر ينعاه: أما بعد، فاحتسب امرأ كان لله أمينا، و كان الله فى نفسه عظيما، و كان علينا و عليك يا أمير المؤمنين عزيزا، أبا عبيدة بن الجراح، غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فإنا لله و إنا إليه راجعون، و عند الله نحتسبه، و بالله نثق له، كتبت إليك و قد فشا الموت، و هذا الوباء فى الناس، و لن يخطئ أحد أجله، و من لم يمت فسيموت، جعل الله ما عنده خيرا لنا من الدنيا و إن أبقانا أو هلكنا فجزاك الله عن جماعة المسلمين و عن خاصتنا و عامتنا رحمته و مغفرته و رضوانه و جنته، و السلام عليك و رحمة الله.
قال: فو الله ما هو إلا أن أتى عمر الكتاب فقرأه حتى بكى بكاء شديدا، و نعى أبا عبيدة إلى جلسائه، فما رأيت جماعة المسلمين جزعوا على رجل منهم جزعهم على أبى عبيدة، ثم ما مضى لذلك إلا أيام حتى جاء كتاب عمرو بن العاص ينعى فيه معاذ بن جبل ي(رحمه الله)، فلما أتت عمر وفاة هذا على أثر أبى عبيدة جزع عليه جزعا شديدا، و بكى عمر و المسلمون، و حزنوا عليه حزنا عظيما، و قال عمر رضى الله عنه: رحم الله معاذا، و الله لقد رفع الله بهلاكه من هذه الأمة علما جما، و لرب مشورة له صالحة قد قبلناها منه، و رأيناها أدت إلى خير و بركة، و رب علم أفادناه، و خير دلنا عليه، جزاه الله جزاء الصالحين.
و فرق عمر عند ذلك كور الشام، فبعث عبد الله بن قرط الثماليّ على حمص، و عزل عنها حبيب بن مسلمة، و استعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصاري، و استعمل يزيد بن أبى سفيان على الجنود التي كانت بالشام، ثم وجد عمر على عبد الله بن قرط بعد أن عمل له على حمص سنة فعزله عنها، و بعث حين عزله عبادة بن الصامت أميرا عليها، و قد كان بدريا عقبيا نقيبا، ثم رضى بعد ذلك عن عبد الله بن قرط، فرده على حمص.
و لما قدم عبادة بن الصامت على أهل حمص، قام فى الناس خطيبا، فحمد الله و أثنى عليه، و صلى على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قال: أما بعد، ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر و الفاجر، ألا و إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا و إنكم معروضون على أعمالكم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:
٧]، ألا و إن للدنيا بنين، و إن للآخرة بنين، فكونوا من أبناء الآخرة، و لا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة.