الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٨٤ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
فقال له عمه سعد بن أبى وقاص: يا ابن أخى لا تطعنن طعنة و لا تضربن ضربة إلا و أنت تريد بها وجه الله، و اعلم أنك خارج من الدنيا وشيكا، و راجع إلى الله قريبا، و لن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته، و عمل صالح أسلفته، فقال: يا عم، لا تخافن هذه منى، إنى إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلى و ارتحالى و غدوى و رواحى و سعى و إجلابى، و طعنى برمحى و ضربى بسيفى رياء للناس.
ثم خرج من عند أبى بكر رضى الله عنه، فلزم طريق أبى عبيدة حتى قدم عليه، فسر المسلمون بقدومه و تباشروا به.
و بلغ سعيد بن عامر بن حذيم [١] أن أبا بكر يريد أن يبعثه، فلما أبطأ ذلك عليه، و مكث أياما لا يذكر له ذلك أتاه، فقال: يا أبا بكر، و الله لقد بلغنى أنك كنت أردت أن تبعثنى فى هذا الوجه، ثم رأيتك قد سكت، فما أدرى ما بدا لك فىّ، فإن كنت تريد أن تبعث غيرى فابعثنى معه، فما أرضانى بذلك، و إن كنت لا تريد أن تبعث أحدا فإنى راغب فى الجهاد، فأذن لى يرحمك الله كيما ألحق بالمسلمين، فقد ذكر لى أن الروم جمعت لهم جمعا عظيما. فقال أبو بكر: رحمك أرحم الراحمين يا سعيد بن عامر، فإنك ما علمت من المتواضعين المتواصلين المخبتين المتهجدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيرا.
فقال له سعيد: رحمك الله، نعم الله علىّ أفضل، و له الطول و المن، و أنت و الله ما علمت صدوع بالحق، قوام بالقسط، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، تحكم بالعدل، و لا تستأثر فى القسم، فقال له: حسبك يا سعيد، حسبك، اخرج رحمك الله، فتجهز، فإنى مسرح إلى المسلمين جيشا و أؤمرك عليهم، فأمر بلالا فنادى فى الناس: أن انتدبوا أيها المسلمون مع سعيد بن عامر إلى الشام، فانتدب معه سبعمائة رجل فى أيام، فلما أراد سعيد الشخوص جاء بلال فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنت إنما أعتقتنى لله تعالى لأملك نفسى و أصرف فيما ينفعنى فخل سبيلى حتى أجاهد فى سبيل ربى، فإن الجهاد إلىّ أحب من المقام، قال أبو بكر: فإن الله يشهد أنى لم أعتقك إلا له، و أنى لا أريد منك جزاء و لا شكورا، فهذه الأرض ذات العرض، فاسلك أى فجاجها أحببت، فقال: كأنك أيها الصديق عتبت علىّ فى مقالتى و وجدت فى نفسك منها؟ قال: لا، و الله ما وجدت فى نفسى من ذلك، و إنى لأحب أن لا تدع هواك لهواى ما دعاك
[١] انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٩٣)، الإصابة الترجمة رقم (٣٢٨٠)، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠٨٤)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٢٣)، الجرح و التعديل (٤/ ٢٠٥). حلية الأولياء (١/ ٣٦٨)، الوافى بالوفيات (١٥/ ٣٢٠).