الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٩٣ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
و ذكر سيف أن الوليد بن عقبة لما قدم على خالد بن سعيد فسانده، و قدمت جنود المسلمين الذين كان أبو بكر أمده بهم، و بلغه عن الأمراء، يعنى أمراء المسلمين الذين أمدهم أبو بكر، و توجههم إليه، اقتحم على الروم طلب الحظوة، و أعرى ظهره، و بادر الأمراء لقتال الروم، و استطرد له باهان، فأرز هو و من معه إلى دمشق، و اقتحم خالد فى الجيش و معه ذو الكلاع و عكرمة و الوليد حتى ينزل المرج، مرج الصفر، ما بين الواقوصة و دمشق، فانطوت مسالح باهان عليه، و أخذوا عليه الطرق و لا يشعر، و زحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطر فى الناس، فقتلوهم. و أتى الخبر خالدا، فخرج هاربا فى جريدة خيل، و لم ينته بخالد الهزيمة عن ذى المروة، و أقام عكرمة فى الناس ردءا لهم، فرد عنهم باهان و جنوده أن يطلبوهم، و أقام من الشام على قريب.
و ذكر ابن إسحاق مسير الأمراء و منازلهم، و أن يزيد بن أبى سفيان نزل البلقاء، و نزل شرحبيل بن حسنة الأردن، و يقال: بصرى، و نزل أبو عبيدة الجابية.
و عن غير ابن إسحاق أنه لما نزل أبو عبيدة بالجابية كتب إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، منها: أما بعد، فإن الروم و أهل البلد، و من كان على دينهم من العرب قد أجمعوا على حرب المسلمين، و نحن نرجو النصر، و إنجاز موعود الرب تبارك و تعالى، و عادته الحسنى، و أحببت إعلامك ذلك لترينا رأيك.
فقال أبو بكر (رحمه الله): و الله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. و كان خالد إذ ذاك يلى حرب العراق، فكتب إليه أبو بكر:
أما بعد، فدع العراق و خلف فيه أهله الذين قدمت عليهم و هم فيه، و امض متخفيا فى أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك العراق، من اليمامة، و صحبوك فى الطريق، و قدموا عليك من الحجاز، حتى تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة و من معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، و السلام.
و يروى أنه كان فيما كتب إليه به: «أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا و أشجوا، و إياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع بعون الله سبحانه، أحد من الناس إشجاءك، و لم ينزع الشجاء أحد من الناس نزعك، فلتهنئك أبا سليمان النعمة و الحظوة، فأتمم يتمم الله لك، و لا يدخلنك عجب فتخسر و تخذل، و إياك أن تدل بعمل، فإن الله تعالى، له المن، و هو ولى الجزاء» [١].
[١] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٤- ٣٨٥).