الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٤٢ - ذكر الجزيرة، و ذكر السبب الذي دعا عمر إلى الأمر بقصدها
تفرقوا إلى بلدانهم خوفا عليها، و خلوا الروم، فأتى سهيل بن عدى حتى انتهى إلى الرقة، و قد حصر فيها أهلها الذين ارفضوا عن حمص، فنزل عليهم، و أقام محاصرهم حتى صالحوه، و ذلك أن قالوا فيما بينهم: إنكم بين أهل العراق و أهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء و هؤلاء؟ فبعثوا إلى عياض، و هو فى منزل واسط بالجزيرة، فقبل منهم و عقد لهم عن أمرة سهيل بن عدى.
و خرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل، عبر إلى بلد ثم أتى نصيبين، فلقوا بالصلح، و صنعوا كما صنع أهل الرقة، و خافوا مثل الذي خافوا، فعقد لهم عبد الله عن أمر عياض، و أجروا ما أخذوه عنوة من الرقة و نصيبين، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، و لما أعطى أهل الرقة و نصيبين الطاعة، ضم عياض سهيلا و عبد الله إليه، فسار بالناس إلى حران، فأخذ ما دونها، فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية، فقبل منهم، و أجرى من أجاب بعد غلبته مجرى أهل الذمة، ثم سرح سهيلا و عبد الله إلى الرها، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، فقبل ذلك عياض منهم، و أجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا و أيسره فتحا.
و قال سهيل بن عدى فى ذلك:
و صادمنا الفرات غداة سرنا* * * إلى أهل الجزيرة بالعوالى
و لم نثن الأعنة حين سرنا* * * بجرد الخيل و الأسل النهال
فأجهضنا الأولى قادوا لحمص* * * و قد منوا أمانى الضلال
أخذنا الرقة البيضاء لما* * * رأينا الشهر لوح بالهلال
و أزعجت الجزيرة بعد خفض* * * و قد كانت تخوف بالزوال
و صار الخرج صافية إلينا* * * بأكناف الجزيرة عن تغال
و قال فى ذلك عبد الله بن عتبان:
ألا من مبلغ عنى بجيرا* * * فما بينى و بينك من بعاد
فإن تقبل تلاق العدل فينا* * * و تنسى ما عهدت من الجهاد
و إن تدبر فما لك من نصيب* * * نصيبى فيلحق بالعباد
و قد ألقت نصيبين إلينا* * * سواد البطن بالخرج السداد
لقد لقيت نصيبين الدواهى* * * بدهم الخيل و الجرد الوراد
و نفست الجياد عن أهل حمص* * * جنود الروم أصحاب الفساد