الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٤ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
المسير حتى انصرف المسلمون، فذهب عند ذلك بالكتاب. و قد كان أبو عبيدة بعثه أول النهار، فلما قدم على عمر (رحمه الله)، و قرأ كتابه، قال له: ويحك، هل علمت أو بلغت ما كان من أمر المسلمين، فإن أبا عبيدة كتب إلىّ يخبرنى أنه كتب إلىّ حين نهض إلى المشركين؟ فقال له: أصلحك الله، فإنى لم أبرح يومئذ حتى رجع المسلمون عنهم، و كانوا زحفوا إليهم، و تعرضت خيلهم لهم، فلم يخرج النصارى إليهم، فانصرف المسلمون إلى عسكرهم، و هم أطيب شيء أنفسا و أحسن شيء حالا.
قال: فأنت ما حبسك يومئذ، إلى العشى لم تقبل بالكتاب و قد دفعه إليك أبو عبيدة أول النهار؟ قال: ظننت أنك ستسألنى عما سألتنى عنه الساعة، فأحببت أن يكون عندى علم ما تسألنى عنه. قال له عمر: ويحك، ما دينك؟ قال: نصرانى، قال: ويحك، أ فما يدلك عقلك هذا الذي أرى على أن تسلم، ويحك أسلم فهو خير لك. قال: فقد أسلمت. فقال عمر: الحمد لله الذي يهدى من يشاء إذا يشاء، ثم كتب معه إلى أبى عبيدة بن الجراح: سلاح عليك، فإنى أحمد إليك الله لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى بنفير الروم إليك، و منزلهم الذي نزلوا به، و رسالتهم التي أرسلوها، و بالذى رجعت إليهم فيما سألوك، و قد سددت بحجتك، و أوتيت رشدك، فإن أتاكم كتابى هذا و أنتم الغالبون فكثيرا ما يكون من ربنا الإحسان، و إن أتاكم و قد أصابكم نكب أو قرح فلا تهنوا و لا تحزنوا و لا تستكينوا، و أنتم الأعلون، و إنها دار الله، و هو فاتحها عليكم فاصبروا إن الله مع الصابرين، و اعلم أنك متى لقيت عدوك فاستعنت بالله عليهم و علم منك الصدق نصرك عليهم، فقل إذا أنت لقيتهم: اللهم أنت الناصر لدينك، المعز لأوليائك، الناصر لهم قديما و حديثا، اللهم فتول نصرهم، و أظهر فلجهم، و لا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، و كن أنت الصانع لهم و المدافع عنهم برحمتك، إنك أنت الولى الحميد.
فأقبل الرسول بهذا إلى أبى عبيدة، و كان أبو عبيدة بعد ذلك اليوم الذي زحف فيه إلى الروم فلم يخرجوا إليه، سرح إليهم من الغد خالدا فى الخيل، و لم يخرج أبو عبيدة يومئذ فى الرجالة، فخرجت إلى خالد خيل لهم عظيمة، فأقبلت نحوه، فقال لقيس بن هبيرة، و كان من أشد الناس بأسا، و أشده نكاية فى العدو، و مباشرة لهم بعد خالد: يا قيس، اخرج إلى هذا الخيل. فخرج إليهم قيس، فحمل عليهم مرارا، و حملوا عليه، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم أقبلت خيل أخرى عظيمة للروم، فقال خالد لميسرة بن مسروق: اخرج إليهم، فخرج ميسرة فقاتلهم قتالا شديدا، ثم خرجت إليهم من الروم