الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢١٠ - ذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، و ما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء
رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقالت: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية. فقال أبو بكر: خذوا هذا الثوب، لثوب عليه قد أصابه مشق أو زعفران فاغسلوه، ثم كفنونى فيه مع ثوبين آخرين. فقالت عائشة: و ما هذا؟ فقال أبو بكر: الحى أحوج إلى الجديد من الميت، و إنما هذا للمهلة.
و لما توفى أبو بكر (رحمه الله)، ارتجت المدينة بالبكاء، و دهش القوم كيوم قبض النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأقبل على بن أبى طالب رضى الله عنه، مسرعا باكيا مسترجعا، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر، و قد سجى بثوب، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلاما، و أخلصهم إيمانا، و أشدهم يقينا، و أخوفهم لله عز و جل، و أعظمهم غناء، و أحدبهم على الإسلام، و أيمنهم على أصحابه، و أحسنهم صحبة و أفضلهم مناقب، و أكثرهم سوابق، و أرفعهم درجة، و أقربهم من رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و أشبههم به هديا و خلقا و سمتا و فعلا، و أشرفهم منزلة، و أكرمهم عليه، و أوثقهم عند الله، فجزاك الله عن الإسلام و عن رسوله و المسلمين خيرا، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، فسماك الله فى كتابه صديقا.
فقال: و الذي جاء بالصدق محمد، و صدق به أبو بكر، و آسيته حين بخلوا، و قمت معه حين عنه قعدوا، و صحبته فى الشدة أكرم الصحبة، ثانى اثنين، و صاحبه فى الغار، و المنزل عليه السكينة، و رفيقه فى الهجرة و مواطن الكريهة، ثم خلفته فى أمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس، و قمت بدين الله قياما لم يقم به خليفة نبى قط، قويت حين ضعف أصحابك، و بدرت حين استكانوا، و نهضت حين وهنوا، و لزمت منهاج رسوله إذ هم أصحابه، كنت خليفته حقا، لم تنازع و لم تضرع برغم المنافقين و صغر الفاسقين و غيظ الكافرين و كره الحاسدين، فقمت بالأمر حين فشلوا، و نطقت حين تتعتعوا، و مضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك، فهدوا، و كنت أخفضهم صوتا، و أعلاهم فوقا، و أقلهم كلاما، و أصوبهم منطقا، و أطولهم صمتا، و أبلغهم قولا، و كنت أكبرهم رأيا، و أشجعهم قلبا، و أحسنهم عملا، و أعرفهم بالأمور، كنت و الله للدين يعسوبا أولا حين تفرق عنه الناس، و آخرا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، و حفظت ما ضيعوا، و رعيت ما أهملوا، و شمرت إذ خنعوا، و علوت إذ هلعوا، و صبرت إذ جزعوا، فأدركت أوتار ما طلبوا و نالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا، و كنت للمسلمين غيثا و خصبا، فطرت و الله بغنائها، و فزت بحبابها، و ذهبت بفضائلها، و أحرزت سوابقها، لم تفلل حجتك، و لم