الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٩٩ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
سبقتموه؟ قال: إنا دخلنا فى هذا الأمر و تابعنا نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) و هو حى بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء و يخبرنا بالغيب و يرينا الآيات، و حق لمن رأى ما رأينا و سمع ما سمعنا أن يسلم و يتابع، و إنكم أنتم لم تروا ما رأينا، و لم تسمعوا ما سمعنا من العجائب و الحجج، فمن دخل فى هذا الأمر منكم بحقيقة و نية كان أفضل منا، قال جرجة: صدقتنى بالله و لم تخادعنى و لم تألنى، قال: بالله لقد صدقتك و ما لى إليك و لا إلى أحد منكم حاجة، و إن الله لولى ما سألت عنه، قال: صدقتنى، و قلب الترس، و مال مع خالد، و قال: علمنى الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه قربة ثم صلى به ركعتين، و حملت الروم مع انقلابه إلى خالد و هم يرون أنها حيلة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم، فركب خالد و معه جرجة، و الروم خلال المسلمين، فتنادى المسلمون، فثابوا، و تزاحفت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد و جرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة، و لم يصل صلاة يسجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما، و صلى مع الناس: الأولى و العصر إيماء، و تضعضع الروم، و نهد خالد بالقلب، حتى كان بين خيلهم و رجلهم، و كان مقاتلهم واسع المطرد، ضيق المهب، فلما وجدت خيلهم مذهبا ذهبت و تركوا رحلهم فى مصافهم، و خرجت خيلهم تشتد بهم فى الصحراء و أخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح.
و لما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب، أفرجوا لها و لم يحرجوها، فذهبت فتفرقت فى البلاد، و أقبل خالد و المسلمون على الرحل فقضوهم، فكأنما هدم بهم حائط، فاقتحموا فى خندقهم، فاقتحموه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة، فهوى فيها المقترنون و غيرهم، و من صبر من المقترنين هوى به من جشأت نفسه، فهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه، كلما هوى اثنان كان البقية أضعف، حتى تهافت فى الواقوصة عشرون و مائة ألف: من المقترنين ثمانون ألفا، و من المطلقين أربعون ألفا، سوى من قتل فى المعركة من الخيل و الرجل، و تجلل القيقار و أشراف من أشراف الروم برانسهم، ثم جلسوا و قالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور، و إذ لم نستطع أن نمنع النصرانية، فأصيبوا فى تزملهم.
و لما دخل خالد الخندق، نزله و أحاطت به خيله، و قاتل الناس حتى أصبحوا، قال بعضهم: و أصبح خالد من تلك الليلة و هو فى رواق تذارق.