الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٩٣ - ذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله
معاوية هاربا حتى قدم على أبى بكر الصديق بسوطه، و قد كان جمع فرائض فأخذها منه خارجة، فردها على أربابها، و كذا فعلت سليم بعرباض بن سارية [١]، و قد كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، بعثه على صدقاتهم، فلما بلغتهم وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، أبوا أن يعطوه شيئا، و أخذوا منه ما كان جمع، فانصرف من عندهم بسوطه، و أما أسلم و غفار و مزينة و جهينة، و كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، بعث إليهم كعب بن مالك الأنصاري، فسلموا إليه صدقاتهم، لما بلغتهم وفاته، و تأدت إلى أبى بكر، فاستعان بها فى قتال أهل الردة، و كذلك فعل بنو كعب مع أمير صدقاتهم بشر بن سفيان الكعبى، و أشجع مع مسعود بن رحيلة الأشجعى [٢]، فقدم بذلك كله على أبى بكر.
و كان عدى بن حاتم قد حبس إبل الصدقة، يريد أن يبعث بها إلى أبى بكر إذا وجد فرجة، و الزبرقان بن بدر مثل ذلك، فجعل قومهما يكلمونهما فيأبيان، و كان أحزم رأيا و أفضل فى الإسلام رغبة ممن كان فرق الصدقة فى قومه، فقالا لقومهما: لا تعجلوا، فإنه إن قام بهذا الأمر قائم ألفاكم لم تفرقوا الصدقة، و إن كان الذي تظنون، فلعمرى إن أموالكم لبأيديكم، فلا يغلبنكم عليها أحد، فسكتوهم حتى أتاهم يقين خبر القوم، فلما اجتمع الناس على أبى بكر جاءهم أنه قد قطع البعوث، و سار بعث أسامة بن زيد إلى الشام، و أبو بكر يخرج إليهم، فكان عدى بن حاتم يأمر ابنه أن يسرح مع نعم الصدقة، فإذا كان المساء روحها، و إنه جاء بها ليلة عشاء، فضربه، و قال: أ لا عجلت بها؟.
ثم راح بها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا، فجعل يضربه، و جعلوا يكلمونه فيه، فلما كان اليوم الثالث قال: يا بنى إذا سرحتها فصح فى أدبارها و أم بها المدينة، فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم فقل أريد الكلأ، تعذر علينا ما حولنا، فلما أن جاء الوقت الذي كان يروح فيه، لم يأت الغلام، فجعل أبوه يتوقعه و يقول لأصحابه: العجب لحبس ابنى، فيقول بعضهم: نخرج يا أبا طريف فنتبعه، فيقول: لا و الله؛ فلما أصبح تهيأ ليغدو، فقال قومه: نغدو معك، فقال: لا يغدو معى منكم أحد، إنكم إن رأيتموه حلتم بينى
[١] انظر ترجمته فى: الإستيعاب الترجمة رقم (٢٠٤٩)، الإصابة الترجمة رقم (٥٥١٧)، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٦٣٠)، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٣٣١)، شذرات الذهب (١/ ٨٢)، حلية الأولياء (٢/ ١٣)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٩)، تقريب التهذيب (٢/ ١٧)، خلاصة تذهيب التهذيب (٢٦٩)، تاريخ الإسلام (٢/ ٤٨٣).
[٢] انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٤٠٨)، و فيه: مسعود بن «رخيلة بن عائذ الأشجعى»، الإصابة الترجمة رقم (٧٩٦١)، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٨٨٣).