الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٩٦ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
ففرح به المسلمون، و طلع باهان على الروم فتيمنوا به، و وافق قدوم أحدهما قدوم الآخر، فولى خالد قتاله، و قاتل الأمراء من بإزائهم، فهزم خالد باهان، و تتابع الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقهم. و قال راجز من المسلمين فى ذلك:
دعوا هرقلا و دعونا الرحمن* * * و الله قد أخزى جنود باهان
بخالد اللج أبى سليمان
و حرد المسلمون و حرد المشركون و هم أربعون و مائتا ألف، منهم ثمانون ألف مقيد، و منهم أربعون ألفا مسلسلون للموت، و أربعون ألفا مربوطون بالعمائم، و ثمانون ألف فارس، و المسلمون سبعة و عشرون ألفا ممن كان مقيما إلى أن قدم عليهم خالد فى تسعة آلاف، فصاروا ستة و ثلاثين ألفا، و كان قتالهم على تساند كل جند و أميره، لا يجمعهم أحد، حتى قدم عليهم خالد بن الوليد من العراق.
و كان عسكر أبى عبيدة باليرموك مجاورا لعسكر عمرو بن العاص، و عسكر شرحبيل ابن حسنة مجاوزا لعسكر يزيد بن أبى سفيان، فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو، و شرحبيل مع يزيد، و أما عمرو و يزيد فكانا لا يصليان مع أبى عبيدة و شرحبيل، و قدم خالد بن الوليد و هم على حالهم هذه، فعسكر على حدة، فصلى بأهل العراق.
و وافق خالد بن الوليد المسلمين و هم متضايقون بمدد الروم، و عليهم باهان، و وافق الروم و فيهم نشاط بمددهم، فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم و أمدادهم إلى الخندق و الواقوصة أحد حدوده، فلزموا خندقهم عامة شهر، يحضضهم القسيسون و الشمامسة و الرهبان، و ينعون لهم النصرانية، حتى استنصروا، فخرجوا للقتال الذي لم يكن بعده قتال، فلما أحس المسلمون خروجهم، و أرادوا الخروج متساندين، سار فيهم خالد بن الوليد، فحمد الله و أثنى عليه، و قال:
إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغى فيه العجز و لا البغى. أخلصوا جهادكم، و أريدوا بعملكم الله، فإن هذا يوم له ما بعده، و لا تقاتلوا قوما على نظام و تعبئة و أنتم على تساند [١] و انتشار، فإن ذلك لا يحل و لا ينبغى، و إن من ورائكم لو يعلم علمكم حال بينكم و بين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذى ترون أنه يوافق رأى و إليكم. قالوا:
فما الرأى؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا و هو يرى أنا سنتياسر، و لو علم بالذى كان و يكون، لقد جمعكم. إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما غشيهم، و أنفع للمشركين
[١] على تساند: أى على رايات شتى متعاونين كأن كل واحد منهم يسند على الآخر و يستعين به.