الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٠٢ - ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة و غيرها
(صلى اللّه عليه و سلم)، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): لقد ذكر ملكا عظيما فى السماء يقال له: ذو النون، و كان عيينة بن حصن قد قال له: لا أبا لك، هل أنت مرينا بعض نبوتك، فقد رأيت و رأينا ما كان يأتى محمدا، قال: نعم، فبعث عيونا له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلا إليهم قبل أن يسمع بذكر خالد، و قال: إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بنى نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين، فهيئوا فارسين، فبعثوهما، فخرجا يركضان، فلقيا عينا لخالد بن الوليد، فقالا: ما وراءك؟ فقال: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، قد أقبلوا، فأتوا به إليه، فزادهم فتنة، و قال: أ لم أقل لكم؟.
فلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه انصرف خالد إلى معسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل، و عدى بن حاتم، و كان لهما صدق نية و دين، فباتا يحرسان فى جماعة من المسلمين، فلما كان فى السحر، نهض خالد فعبأ أصحابه، و وضع ألويته مواضعها، و دفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب، فتقدم به، و تقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، و طلبت طيء لواء يعقد لها، فعقد خالد لواء و دفعه إلى عدى بن حاتم، فلما سمع طليحة حركة القوم عبأ أصحابه، و جعل خالد يسوى الصفوف على رجليه، و طليحة يسوى أصحابه على راحلته، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة، فلما انتهى إليه، خرج إليه طليحة بأربعين غلاما جلداء من جنوده، مردا، فأقامهم فى الميمنة، فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة، فتضعضع الناس و لم يقتل أحد، ثم أقامهم فى الميسرة ففعلوا مثل ذلك، و انهزم المسلمون، فقال رجل من هوازن، حضرهم يومئذ: إن خالدا لما كان ذلك قال: يا معشر الأنصار، الله الله، و اقتحم وسط القوم، و كر عليه أصحابه، فاختلطت الصفوف، و اختلفت السيوف بينهم، و ضرس خالد فى القتال، فجعل يقحم فرسه و يقولون له: الله الله، فإنك أمير القوم، و لا ينبغى لك أن تقدم، فيقول: و الله إنى لأعرف ما تقولون، و لكنى و الله ما رأيتنى أصبر، و أخاف هزيمة المسلمين.
و فيما ذكر الكلبى عن بعض الطائيين: أنه نادى مناد من طيء، يعنى عند ما حمل أولئك الأربعون غلاما على المسلمين: يا خالد، عليك سلمى و أجأ فقال: بل إلى الله الملجأ، قال: ثم حمل، فو الله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، و قاتل خالد يومئذ بسيفين، حتى قطعهما، و تراد الناس بعد الهزيمة، و اشتد القتال، و أسر حبال ابن أبى حبال، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبى بكر، فقال: اضربوا عنقى و لا ترونى محمديكم هذا، فضربوا عنقه.