الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٥٨ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
إلى رستم بمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أ نباهي أم نتهاون؟
فاجتمع ملؤهم على المباهاة، فأظهروا الزبرج، و بسطوا البسط و النمارق، و لم يتركوا شيئا، و وضعوا لرستم سرير الذهب، و ألبس زينته، من الأنماط و الوسائد المنسوجة بالذهب. و أقبل ربعى يسير على فرس له زباء قصيرة، معه سيف له مشوف و غمده لفافة ثوب خلق، و رمحه معلوب بقد، معه حجفة من جلود البقر، على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، و معه فرسه و نبله.
فلما انتهى إلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها، فلما استوت على البسط نزل عنها و ربطها بوسادتين فشقهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه، و إنما أروه التهاون، و عرف ما أرادوا، فأراد استحراجهم، و عليه درع له كأنه أضاة، و يلمقة عباءة بعيره، قد جابها و تدرعها، و شدها على وسطه بسلب، و لأسه أربع ضفائر، قد قمن قياما، كأنهن قرون الوعول، و كان أكثر العرب شعرة. فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إنى لم آتكم فأضع سلاحى بأمركم، أنتم دعوتمونى، فإن أحببتم أن آتيكم كما أريد و إلا رجعت. فأخبروا رستما، فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل فأقبل يتوكأ على رمحه، و زجه نصل يقارب الخطو، و يزج النمارق و البسط، فما ترك لهم نمرقة و لا بساطا إلا أفسده و تركها متهتكة مخرقة.
فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، و جلس على الأرض، و ركز رمحه فى البساط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا، و جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، و من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا ذلك منه، و رجعنا عنه و تركناه و أرضه يليها دوننا، و من أبى قاتلناه أبدا، حتى نفضى إلى موعود الله. قال: و ما موعود الله؟ قال:
الجنة لمن مات على قتال من أبى، و الظفر لمن بقى. قال رستم: قد سمعنا مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه و تنظروا قال: نعم، كم أحب إليك؟ أ يوم أم يومان؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا و رؤساء قومنا. فقال: إن مما سن لنا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، و عمل به أئمتنا، ألا نمكن الأعداء من بداتنا، و لا نؤجلهم عند الالتقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر فى أمرك و اختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام و ندعك و أرضك، أو الجزاء فنقبل و نكف عنك، و إن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه، و إن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة فى اليوم الرابع، و لسنا نبدؤك فيما