الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣١٦ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
أفارقك، فلا أراك و لا ترانى، و لا أجد منك خلفا، ثم لعلى أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعنى بعدك فلا أجد فيهم مثلك، فقال له معاذ: كلا، إن صالحاء المسلمين و الحمد لله كثير، و لن يضيع الله أهل هذا الدين، ثم قال له: خذ عنى ما آمرك به، كن من الصائمين بالنهار، و من المصلين فى جوف الليل، و من المستغفرين بالأسحار، و من الذاكرين الله كثيرا على كل حال، و لا تشرب الخمر، و لا تزنى، و لا تعق والديك، و لا تأكل مال اليتيم و لا تفر من الزحف، و لا تأكل الربا، و لا تدع الصلاة المكتوبة، و لا تضيع الزكاة المفروضة، و صل رحمك، و كن بالمؤمنين رحيما، و لا تظلم مسلما، و حج و اعتمر، و جاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة.
و لما حضر معاذا الموت قال لجاريته: ويحك، انظرى، هل أصبحنا؟ فنظرت، فقالت:
لا، ثم تركها ساعة، ثم قال لها: انظرى، فنظرت فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: مرحبا بالموت، مرحبا بزائر جاء على فاقة لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب البقاء فى الدنيا لجرى الأنهار، و لا لغرس الأشجار، و لكننى كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، و طول الساعات فى النهار، و لظمأ الهواجر، فى الحر الشديد، و لمزاحمة العلماء بالركب فى حلق الذكر.
فلما اقترب أمره جاء عبد الله بن الديلمى، فقال له: يرحمك الله يا معاذ، لعلنا لا نلتقى نحن و لا أنت أبدا، فقال معاذ: أجلسونى، فأجلسوه، و جلس رجل خلف ظهره، و وضع معاذ ظهره فى صدر الرجل، ثم قال: بئس ساعة الكذب هذه، حدثني رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حديثا، فكنت أكتمكموه مخافة أن تتكلوا، فأما الآن فإنى لا أكتمكموه، سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: إنه لا يموت عبد من عباد الله و هو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن الله يبعث من القبور، و يؤمن بالرسل و ما جاءت به أنه حق، و يؤمن بالجنة و النار، إلا أدخله الله الجنة و حرمه على النار.
ثم مات معاذ من ساعته ي(رحمه الله)، و استخلف عمرو بن العاص، فصلى عليه عمرو، و دخل قبره، فوضعه فى لحده، و دخل معه رجال من المسلمين، فلما خرج عمرو من قبره، قال: رحمك الله يا معاذ، فقد كنت ما علمناك من نصحاء المسلمين و من خيارهم، و كنت مؤدبا للجاهل، شديدا على الفاجر، رحيما بالمؤمنين، و ايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك، عمرو بن العاص.