الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٧٣ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
عليه ثم جلس، فقال له: ما تنتظر ببعثة هذه الجنود؟ قال: ما كنا ننتظر إلا قدومكم، قال: فقد قدمنا، فابعث الناس الأول فالأول، فإن هذه البلدة ليست ببلدة خف و لا كراع [١].
قال: فعند ذلك خرج أبو بكر رضى الله عنه، يمشى، فدعا يزيد بن أبى سفيان فعقد له، و دعا ربيعة بن عامر من بنى عامر بن لؤيّ فعقد له، ثم قال له: أنت مع يزيد بن أبى سفيان لا تعصه و لا تخالفه، ثم قال ليزيد: إن رأيت أن توليه مقدمتك فافعل، فإنه من فرسان العرب و صالحاء قومك، و أرجو أن يكون من عباد الله الصالحين، فقال يزيد: لقد زاده إلىّ حبا حسن ظنك به و رجاؤك فيه، ثم إنه خرج معه يمشى، فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب، و إما أن تأذن لى فأمشى معك، فإنى أكره أن أركب و أنت تمشى، فقال أبو بكر رضى الله عنه: ما أنا براكب، و ما أنت بنازل، إنى أحتسب خطاى هذه فى سبيل الله، ثم أوصاه فقال:
يا يزيد، إنى أوصيك بتقوى الله و طاعته، و الإيثار له، و الخوف منه، و إذا لقيتم العدو فأظفركم الله به فلا تغلل و لا تمثل و لا تغدر و لا تجبن، و لا تقتلن وليدا و لا شيخا كبيرا و لا امرأة، و لا تحرقن نخلا و لا تغرقنه، و لا تقطعن شجرا مثمرا، و لا تعقروا بهيمة إلا لمأكل، و ستمرون بقوم فى هذه الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعهم و ما حبسوا أنفسهم له، و ستجدون آخرين فحص الشيطان أوساط رءوسهم كأن أوساطها أفاحيص [٢] القطا، فأضربوا بالسيف ما فحصوا عنه من رءوسهم حتى ينيبوا إلى الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد و هم صاغرون، و لينصرن الله من ينصره و رسله بالغيب. و أقرأ عليك السلام، و أستودعك الله.
ثم أخذ بيده فودعه، ثم قال: إنك أول امرئ وليته على رجال من المسلمين أشراف غير أوضاع فى الناس، و لا ضعفاء و لا أدنياء و لا جفاة فى الدين، فأحسن صحبتهم، و ألن لهم كتفك، و اخفض لهم جناحك، و شاورهم فى الأمر، أحسن أحسن الله لك الصحابة، و علينا الخلافة.
فخرج يزيد فى جيشه قبل الشام، و كان أبو بكر (رحمه الله)، كل غدوة و عشية يدعو فى دبر صلاة الغداة، و يدعو بعد صلاة العصر، فيقول: اللهم إنك خلقتنا و لم نك شيئا،
[١] الخف: الإبل. و الكراع: الخيل.
[٢] أفاحيص: جمع أفحوص، و هو التراب، تتخذ فيه طيور القطا مساكن لها.