الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٣٦ - ذكر فتح مصر
فقال المقوقس لما أتاه كتابه: و الله إنهم على قلتهم و ضعفهم أقوى و أشد منا على كثرتنا و قوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، و ذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم و هو مستقتل، يتمنى أن لا يرجع إلى أهله و لا بلده، و لا ولده، و يرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا، و يقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، و ليس لهم رغبة فى الدنيا و لا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام و اللباس، و نحن قوم نكره الموت و نحب الحياة و لذتها، فكيف نستقيم نحن و هؤلاء، و كيف صبرنا معهم، و اعلموا معشر الروم أنى و الله لا أخرج مما دخلت فيه و صالحت العرب عليه، و أنى لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولى و رأيى، و تتمنون أن لو كنتم أطعمتونى، و ذلك أنى قد عانيت و رأيت و عرفت ما لم يعاين الملك و لم يره و لم يعرفه، ويحكم أ ما يرضى أحدكم أن يكون آمنا فى دهره على نفسه و ماله و ولده بدينارين فى السنة؟.
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت و عجزنى، و كتب إلىّ و إلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتك، أمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، و لم أكن لأخرج مما دخلت فيه و عاقدتك عليه، و إنما سلطانى على نفسى و من أطاعنى، و قد تم صلح القبط فيما بينك و بينهم، و لم يأت من قبلهم نقض و أنا متم لك على نفسى، و القبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه و عاهدتهم، و أما الروم فأنا منهم برىء، و أنا أطلب إليك أن تعطينى ثلاث خصال.
قال عمرو: و ما هن؟.
قال: لا تنقض بالقبط، و أدخلنى معهم و ألزمنى ما لزمهم، فقد اجتمعت كلمتى و كلمتهم على ما عاهدتك عليه و هم متمون لك على ما تحب. و أما الثانية: إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا و عبيدا، فإنهم أهل لذلك؛ لأنى نصحتهم فاستغشونى، و نظرت لهم فاتهمونى. و أما الثالثة: أطلب إليك أن إذا مت أن تأمرهم يدفنونى فى أبى يحنس بالإسكندرية.
فأنعم له عمرو بن العاص بذلك و أجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، و يقيموا لهم الأنزال و الضيافة و الأسواق و الجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا.
و يقال: إن المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص على الروم و هو محاصر الإسكندرية، و بعد أن حصر أهلها ثلاثة أشهر و ألح عليهم و خافوه، فسأله المقوقس الصلح عنهم، كما