الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٦٣ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
كرم، فرأى فيه ثعلبا، فقال: و ما ثعلب فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعت عليه سد عليها صاحب الكرم مدخلها فقتلها، و قد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص و الطمع مع الجهد، فارجعوا عنا عامكم هذا، و امتاروا حاجتكم، و لكم العود كلما احتجتم، فإنى لا أشتهى أن أقتلكم، و قد أصاب أناس كثير منكم ما أرادوا من أرضنا، ثم كان مصيرهم القتل و المهرب، و من سن هذا لكم خير منكم و أقوى، و قد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم و نجا بعضهم، و خرج مما كان أصاب، و من أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب، و فى الجرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، و جعلت الأخر ينقلن منها و يرجعون و يكلمنه فى الرجوع، فيأبى، فانتهى سمن الذي فى الجرة، فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله، فضاق عليه الجحر، و لم يطق الخروج، فشكى القلق إلى أصحابه، و سألهم المخرج، فقالوا: ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل أن تدخل، فكف و جوع نفسه، و بقى فى الجرة، حتى إذا عاد كما كان أتى عليه صاحب الجرة فقتله، فاخرجوا أو ليكونن هذا لكم مثلا.
و قال لهم، أيضا، فيما قال: لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب، ما خلاكم يا معشر العرب، ترون الهلاك و يدليكم فيه الطمع، و مثلكم فى هذا مثل الذباب إذا رأى العسل طار، و قال: من يوصلنى إليه و له درهمان حتى يدخله؟ لا ينهاه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق و نشب، و قال: من يخرجنى و له أربعة دراهم؟ و ضرب للقوم أمثالا غير هذه نحوا منها.
قالوا: فتكلم القوم، فقالوا: أما ما ذكرت من سوء حالنا فيما مضى، و انتشار أمرنا، فلم نبلغ كنهه يموت الميت منا إلى النار، و يبقى الباقى منا فى بؤس، فبينا نحن فى أسواء ذلك، فبعث الله، عز و جل، فينا رسولا من أنفسنا إلى الإنس و الجن، رحمة رحم بها من أراد رحمته، و نقمة ينتقم بها ممن رد كرامته، فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحد أشد عليه و لا أشد إنكارا لما جاء به، و لا أجهد على قتله ورد ما جاء به من قومه، ثم الذين يلونهم، حتى طابقناه على ذلك كلنا، فنصبنا له جميعا، و هو وحده فرد ليس معه إلا الله تعالى فأعطى الظفر علينا، فدخل بعضنا طوعا و بعضنا كرها، ثم عرفنا جميعا الحق و الصدق لما أتى به من الآيات المعجزة، و كان مما أتى به من عند ربنا، عز و جل، جهاد الأدنى فالأدنى، فصرنا فى ذلك فيما بيننا، نرى أن الذي قال لنا و وعدنا لا نخرج عنه و لا ننقص منه، حتى اجتمعت العرب على هذا، و كانوا من الاختلاف فيما لا يطيق