الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٣٣ - ذكر فتح مصر
صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن و أنتم فى كل عام أبدا ما بقينا و بقيتم، و نقاتل عنكم من ناوأكم و عرض لكم فى شيء من أرضكم و دمائكم و أموالكم، و نقوم بذلك عنكم إذ كنتم فى ذمتنا، و كان لكم به عهد علينا، و إن أبيتم فليس بيننا و بينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به، و لا يجوز لنا فيما بيننا و بينكم غيره، فانظروا لأنفسكم.
فقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا، ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا!.
فقال له عبادة: هو ذلك فاختر ما شئت!.
فقال له المقوقس: أ فلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟.
فرفع عبادة يديه فقال: لا و رب هذه السماء، و رب هذه الأرض، و ربنا، و رب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القوم، فما ذا ترون؟.
فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل؟ أما ما أرادوا من دخولنا فى دينهم فهذا ما لا يكون أبدا، أن نترك دين المسيح ابن مريم و ندخل فى دين غيره لا نعرفه، و أما ما أرادوا أن يسبونا و يجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعبادة: قد أتى القوم [١] فما ترى؟ فراجع أصحابك [٢] على أن نعطيكم فى مرتكم هذه ما تمنيتم و تنصرفوا.
فقام عبادة و أصحابه، فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله: أطيعونى و أجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فو الله ما لكم بهم طاقة، و لئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين.
فقالوا: و أى خصلة نجيبهم إليها؟.
قال: أنا أخبركم، أما دخولكم فى غير دينكم فلا آمركم به، و أما قتالكم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، و لن تصبروا صبرهم، و لا بد من الثالثة.
[١] فى ابن عبد الحكم: قد أبى القوم.
[٢] فى ابن عبد الحكم: صاحبك.