الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٤٤ - فتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام
حتى أقحموهم الحصن. فلما رأوا ذلك بعثوا فى طلب الصلح، فأعطاهم ذلك أبو عبيدة، و كتب لهم كتابا.
ثم إنه خرج نحو حمص، فجمع له أهلها جمعا عظيما، ثم استقبلوه بجوسية [١]، فرماهم بخالد بن الوليد، فلما نظر إليهم خالد قال: يا أهل الإسلام، الشدة، الشدة. ثم حمل عليهم خالد، و حمل المسلمون معه، فولوا منهزمين حتى دخلوا مدينتهم، و بعث خالد ميسرة بن مسروق فاستقبل خيلا لهم عظيمة عند نهير قريب من حمص، فطاردهم قليلا ثم حمل عليهم، فهزمهم، و أقبل رجل من المسلمين من حمير يقال له شرحبيل، فعرض له منهم فوارس، فحمل عليهم وحده، فقتل منهم سبعة، ثم جاء إلى نهر دون حمص مما يلى دير مسحل فنزل عن فرسه فسقاه، و جاء نحو من ثلاثين فارسا من أهل حمص فنظروا إلى رجل واحد، فأقبلوا نحوه، فلما رأى ذلك أقحم فرسه و عبر الماء إليهم، ثم ضرب فرسه فحمل عليهم، فقتل أول فارس، ثم الثانى، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، ثم انهزموا و تبعهم وحده، فلم يزل يقتل واحدا واحدا حتى انتهوا إلى دير مسحل و قد صرع منهم أحد عشر رجلا، فاقتحموا جوف الدير و اقتحم معهم، فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه، (رحمه الله).
و جاء ملحان بن زياد و عبد الله بن قرط و صفوان بن المعطل إلى المدينة، فأخذوا يطيفون بها يريدون أن يخرج إليهم أهلها، فلم يخرجوا. و جاء المسلمون حتى نزلوا على باب الرستن [٢]، فزعم النضر بن شفى أن رجلا من آل ذى الكلاع كان أول من دخل مدينة حمص، و ذلك أنه حمل من جهة باب الشرقى فلم يرد وجهه شيء، فإذا هو فى جوف المدينة، فلما رأى ذلك ضرب فرسه فخرج كما هو على وجهه و لا يرى إلا أنه قد هلك، حتى خرج من باب الرستن، فإذا هو فى عسكر المسلمين.
و حاصر المسلمون أهل حمص حصارا شديدا، فأخذوا يقولون للمسلمين: اذهبوا نحو الملك، فإن ظفرتم به فنحن كلنا لكم عبيد. فأقام أبو عبيدة على باب الرستن بالناس، و بث الخيل فى نواحى أرضهم، فأصابوا غنائم كثيرة و قطعوا عنهم المادة و الميرة، و اشتد عليهم الحصار، و خشوا السباء فأرسلوا إلى المسلمين يطلبون الصلح، فصالحهم المسلمون
[١] جوسية: بالضم ثم السكون و كسر السين المهملة و ياء خفيفة، قرية من قرى حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق. انظر: معجم البلدان (٢/ ١٥٨).
[٢] الرستن: بفتح أوله و سكون ثانيه، بليدة قديمة كانت على نهر الميماس، بين حماة و حمص، فى نصف الطريق. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤٣).