الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٦٠ - ذكر ردة كندة و حضرموت
أيها الناس، إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) توفى، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد توفى، و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، و قد اجتمع المسلمون على أفضلهم من أنفسهم و لم يكن بينهم اختلاف فى أبى بكر بن أبى قحافة، و قد كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، يأمره فى مرضه أن يصلى بالناس، فبايعوا أيها الناس، و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
فقال الأشعث بن قيس: إذا اجتمع الناس، فما أنا إلا كأحدهم، و نكص عن التقدم إلى البيعة، فقال امرؤ القيس بن عابس الكندى: أنشدك الله يا أشعث، و وفادتك على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و إسلامك أن تنقضه اليوم، و الله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه، فإياك إياك، أبق على نفسك فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، و إن تأخرت افترقوا و اختلفوا، فأبى الأشعث، و قال: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، و نحن أقصى العرب دارا من أبى بكر، أ يبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ قال: أى و الله، و أحرى أن لا يدعك عامل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ترجع إلى الكفر.
قال الأشعث: من قال زياد بن لبيد، فتضاحك، ثم قال: أ ما يرضى زياد أن أجيره، فقال امرؤ القيس: سترى، ثم قام الأشعث، فخرج من المسجد إلى منزله، و قد أظهر ما أظهره من الكلام القبيح من غير أن يكون نطق بالردة، و وقف يتربص، و قال: نقف أموالنا بأيدينا و لا ندفعها، و نكون من آخر الناس، و بايع زياد بن لبيد لأبى بكر من بعد الظهر إلى أن قامت العصر، فصلى بالناس العصر، ثم انصرف إلى بيته، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان قبل، و هو أقوى ما كان نفسا، و أشده لسانا، فبينا هو يصدق إلى أن أخذ قلوصا فى الصدقة من فتى من كندة، فلما أمر بها زياد تعقل و توسم بميسم السلطان، و كان الميسم لله، أتى الفتى، فصاح: يا حارثة بن سراقة [١]، يا أبا معدى كرب، عقلت البكرة، فأتى حارثة إلى زياد، فقال: أطلق للفتى بكرته، فأبى زياد، فقال:
قد عقلتها و وسمتها بميسم السلطان، فقال حارثة: أطلقها أيها الرجل طائعا، خير من أن تطلقها و أنت كاره، قال زياد: لا و الله لا أطلقها و لا نعمت عين. فقام حارثة فحل عقالها و ضرب على جنبها، فخرجت القلوص تعدو إلى الأنهار، و جعل حارثة يقول:
أطعنا رسول الله ما كان وسطنا* * * فيا قوم ما شأنى و شأن أبى بكر
أ يورثها بكرا إذا مات بعده* * * فتلك إذا و الله قاصمة الظهر
[١] انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٤٥٩)، الإصابة الترجمة رقم (١٥٢٩)، أسد الغابة الترجمة رقم (٩٩٣)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١١٢)، الجرح و التعديل (١/ ١٤٥)، شذرات الذهب (١/ ٩)، تصحيفات المحدثين (٩٧٦).