الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٦١ - ذكر ردة كندة و حضرموت
قالوا: فكان زياد يقاتلهم النهار إلى الليل، فلما كان يوم من تلك الأيام، ضاربهم كذلك حتى أمسى، و لم يكن فيما مضى يوم أشد منه، كانت بينهم فيه قتلى و جراح.
قال أبو هند: برز منهم يومئذ رجل يدعو إلى البراز، فبرزت إليه، فتشاولنا بالرمحين نهارا طويلا، فلم يظفر واحد منا بصاحبه، ثم صرنا إلى السيفين، فما قدر واحد منا على صاحبه، و نحن فارسان إلى أن عثر فرسه، فاقتحم و صار راجلا، و يدرك فرسى فيضرب عرقوبيه، فوقعت إلى الأرض، و أفضى أحدنا إلى صاحبه، فبدرته، فأضربه، فأقطع يده من المنكب، فوقع السيف من يده، و ولى منهزما، و ألحقه، فأجهزت عليه، فما خرج أحد يدعو إلى البراز حتى صلح أمرهم.
قالوا: فلما أمسوا من ذلك اليوم، و تفرقوا، و زياد فى بيته قد بعث العيون، إذ جاءه عين له بعد أن ذهب عامة الليل فدله على عورة من عدوه، و قال: هل لك فى الظفر؟
فقال: ما هو؟ قال: ملوكهم الأربعة فى محجرهم قد ثملوا من الشراب، فسار من ساعته فى مائة رجل من أصحابه حتى انتهوا إلى المحجر، فتقدم العين فاستمع الصوت فإذا القوم قد هدوا و ناموا، فأغار عليهم، فقتل الملوك الأربعة، مخرس و مشرح و حمد و أبضعة، و أختهم العمرة ذبحهم ذبحا، و كانوا ملوك كندة و أشرافهم.
و يقال: كانت الملوك سبعة: الأشعث بن قيس، و مخرس، و حمد، و وديعة، و أبضعة، و مشرح، و وليعة. فقتل منهم أربعة، ثم رجع زياد إلى أهله، فأصبح القوم قد انكسر حدهم و ذلوا.
و قالوا: إن العمردة لما توفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، ضربت بغربال، فقطع زياد لذلك يدها، و صلبها، فهى كانت أول امرأة قتلت فى الردة.
و بعث زياد أبا هند إلى أبى بكر و كتب معه:
بسم الله الرحمن الرحيم، لأبى بكر خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، من زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الناس قبلنا منعوا الصدقة، أو عامتهم و أبوا أن يسلموها، و قاتلوا دونها أشد القتال، و أظهروا الردة عن الإسلام، فبعثت عيونا فى طلب غرتهم، فأتانى آت منهم يخبرنى بغرة منهم، فزحفت إليهم ليلا، فقتلتهم فى محجرهم، و كانوا أربعة: مخرس و مشرح و حمد و أبضعة، و أختهم العمردة، فأصبحوا و قد ذلوا و انكسروا، و إنى كتبت إليك و السيف على عاتقى، و بعثت إليك أبا هند بالكتاب، و أمرته أن يجد السير، و أن يخبرك بما رأى و شهد، و إن الكتاب موجز، و عنده علم ما كنا فيه، و السلام.