الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٦٣ - ذكر ردة كندة و حضرموت
الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغنى ردة من ارتد قبلك بعد المعرفة بالدين، غرة بالله، و الله مخزيهم إن شاء الله، فاحصرهم و لا تقبل منهم إلا ما خرجوا منه أو السيف.
فقد بعثت إليك عشرة آلاف رجل عليهم فلان بن فلان، و خمسة آلاف عليهم فلان بن فلان، و قد أمرتهم أن يسمعوا لك و يطيعوا، فإذا جاءك كتابى هذا فإن أظفرك الله بهم فإياك و البقيا فى أهل النجير، حرق حصنهم بالنار، و اقطع معايشهم، و اقتل المقاتلة، و اسب الذرية، و ابعث بهم إن شاء الله.
و إنما هذا كتاب كتبه زياد بيده مكايدة لعدوه، فكانوا إذا قرئ عليهم هذا الكتاب أيقنوا بالهلكة، و اشتد عليهم الحصار، و ندموا على ما صنعوا، فبينا هم على ذلك الحصار قد جهدهم، قال الأشعث: إلى متى هذا الحصر قد غرثنا و غرث عيالنا، و هذه البعوث تقدم علينا بما لا قبل لنا به، و قد ضعفنا عمن معنا، فكيف بمن يأتينا من هذه الأمداد و الله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، أو يؤخذ برقبة الرجل كما يصنع بالذرية.
قالوا: و هل لنا قوة بالقوم؟ فما ترى لنا؟ فأنت سيدنا، قال: أنزل فآخذ لكم الأمان قبل أن تدخل هذه الأمداد، بما لا قبل لنا به، فجعل أهل الحصن يقولون للأشعث: افعل و خذ لنا أمانا، فإنه ليس أحد أجرأ على ما قبل زياد منك، قال: فأنا أنزل.
فأرسل إلى زياد: أنزل فأكلمك و أنا آمن؟ قال: نعم، فنزل الأشعث من النجير فخلا بزياد، فقال: يا ابن عم، قد كان هذا الأمر و لم يبارك لنا فيه، و إن لى قرابة و رحما، و إن أوصلتنى إلى صاحبك قتلنى، يعنى المهاجر بن أمية [١]، و أن أبا بكر يكره قتل مثلى، و قد جاءك كتابه ينهاك عن قتل الملوك من كندة، فأنا أحدهم، و أنا أطلب منك الأمان على أهلى و مالى، فقال زياد: لا أؤمنك أبدا على دمك و أنت كنت رأس الردة و الذي نقض علىّ كندة، فقال: أيها الرجل، دع ما مضى و استقبل الأمور إذا أقبلت، قال زياد:
و ما ذا؟ قال: و أفتح لك النجير، فأمنه زياد على أهله و ماله، على أن يقدم به على أبى بكر، فيرى فيه رأيه، و فتح له النجير.
و قد كان المهاجر لما نزل الأشعث من الحصن ليكلمهم، قال لزياد: رده إلى الحصن حتى ينزل على حكمنا فنضرب عنقه، فنكون قد استأصلنا شأفة الردة، فأبى زياد إلا أن يؤمنه، و قال: أخشى أن يلومنى أبو بكر فى قتله و قد جاءنى كتابه ينهانى عن قتل الملوك الأربعة، فأخاف مثل ذلك، مع أن أبا بكر إن أراد قتله فله ذلك، إنما جعل له الأمان على
[١] انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥٣١)، الإصابة الترجمة رقم (٨٢٧١)، أسد الغابة الترجمة رقم (٥١٣٤)، مؤتلف الدارقطنى (ص ١٦٣).