العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٥ - بين ابن عباس و معاوية
المروءة؛ و نحن و اللّه أعطى للآخرة منكم للدنيا، و أعطى في الحق منكم في الباطل، و أعطى على التقوى منكم على الهوى؛ و القسم بالسوية و العدل في الرعية يأتيان على المنى و الأمل، ما أرضاكم منا بالكفاف، فلو رضيتم منا لم ترض أنفسنا به لكم؛ و الكفاف رضا من لا حق له؛ فلا تبخلونا حتى تسألونا، و لا تلفظونا حتى تذوقونا.
أبو عثمان الحزامي قال: اجتمعت بنو هاشم عند معاوية، فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم، و اللّه إن خيري لكم لممنوح، و إن بابي لكم لمفتوح؛ فلا يقطع خيري عنكم علة و لا يوصد بابي دونكم مسألة؛ و لما نظرت في أمري و أمركم رأيت أمرا مختلفا: إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني، و إذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم أعطانا دون حقنا، و قصّر بنا عن قدرنا؛ فصرت كالمسلوب، و المسلوب لا حمد له؛ و هذا مع إنصاف قائلكم، و إسعاف سائلكم.
قال: فأقبل عليه ابن عباس فقال: و اللّه ما منحتنا شيئا حتى سألناه، و لا فتحت لنا بابا حتى قرعناه؛ و لئن قطعت عنا خيرك للّه أوسع منك و لئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، و أما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، و لنا في كتاب اللّه حقان: حق في الغنيمة، [١] و حق في الفيء؛ [٢] فالغنيمة ما غلبنا عليه، و الفيء ما اجتبيناه، و لو لا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف و لا حافر.
كفاك أم أزيدك؟قال: كفاني، فإنك تهرّ و لا تنبح.
و قال معاوية يوما و عنده ابن عباس: إذا جاءت بنو هاشم بقديمها و حديثها، و جاءت بنو أمية بأحلامها و سياستها، و بنو أسد بن عبد العزى برفادتها و دياتها، و بنو عبد الدار بحجابتها و لوائها، و بنو مخزوم بأموالها و أفعالها، و بنو تيم بصدّيقها [٣]
و جوادها، و بنو عدي بفاروقها [٤] و متفكّرها، و بنو سهم بآرائها و دهائها، و بنو جمح
[١] الغنيمة: ما أوجف عليه المسلمون بخيلهم و ركابهم من المشركين.
[٢] الفيء: ما أفاء اللّه من أموال المشركين على المسلمين بلا حرب.
[٣] الصديق: ابي بكر الصديق.
[٤] الفاروق: عمر بن الخطاب.