العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٠ - أخبار أبي مهدية الأعرابي
الحمر-يعني الموالي-فجعلت تليق أستاهها كما تلاق الدواة [١] .
و قيل لأبي مهدية: أ تقرأ من كتاب اللّه شيئا؟قال: نعم. ثم افتتح يقرأ:
وَ اَلضُّحىََ `وَ اَللَّيْلِ إِذََا سَجىََ [٢] حتى انتهى إلى وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىََ [٣]
فالتفت إلى صاحب له فقال: إن هؤلاء العلوج [٤] يقولون: و وجدك ضالا فهدى.
و اللّه لا أقولها أبدا.
و لما سن أبو مهدية ولي جانبا من اليمامة، و كان به قوم من اليهود أهل عطاء و جدة، فأرسل إليهم فقال: ما عندكم من المسيح؟قالوا: قتلناه و صلبناه!قال: فهل غرمتم ديته؟قالوا: لا. قال: إذا و اللّه لا تبرحوا حتى تغرموا ديته!فأرضوه حتى كف عنهم.
و قيل لأبي مهدية: ما أصبركم معشر الأعراب على البدو؛ قال: كيف لا يصبر على البدو من طعامه الشمس و شرابه الريح!؟ و نظر أبو مهدية إلى رجل يستنجي و يكثر من الماء، فقال له: إلى كم تغسلها ويحك!أ تريد أن تشرب فيها سويقا! و مات طفل لأبي مهدية، فقيل له: اصبر يا أبا مهدية؛ فإنه فرط افترطته [٥] ، و خير قدمته، و ذخر أحرزته. فقال: بل ولد دفنته، و ثكل تعجلته؛ و اللّه لئن لم أجزع للنقص، لا أفرح للمزيد.
قال أبو عبيدة: سمع أبو مهدية رجلا يقول بالفارسية: زود زود. فقال: ما يقول هذا؟فقيل له يقول: عجل عجل. فقال: أ فلا يقول: حيهلا.
[١] ألاق الدواة: أصلح مدادها
[٢] سورة الضحى الآية ١ و ٢.
[٣] سورة الضحى الآية ٧.
[٤] العلوج: جمع علج، و هو كل جاف شديد من الرجال.
[٥] الفرط: الولد لم يبلغ الحلم؛ و افتراطه: فقده.