العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٥ - قولهم في البلاغة و الإيجاز
و كأنّ ريّقه و لمّا يحتفل # ودق السماء عجاجة طخياء [١]
مستضحك بلوامع مستعبر # بمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن و لا بمسرّة # ضحك يؤلّف بينه و بكاء
حيران متّبع صباه تقوده # و جنوبه كف له ورهاء [٢]
ثقلت كلاه فبهّرت أصلابه # و تبعّجت عن مائه الأحشاء [٣]
غدق تبعّج بالأباطح مزّقت # تلك السّيول و ما لها أشلاء
غرّ محجّلة دوالح ضمّنت # حمل اللّقاح و كلّها عذراء [٤]
سحم فهنّ إذا عبسن فواحم # سود، و هنّ إذا ضحكن وضاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه # لم يبق في لجج السواحل ماء
هشام و أعرابي يصف له السحاب:
قال هشام بن عبد الملك لأعرابي: اخرج فانظر كيف ترى السحاب. فخرج فنظر، ثم انصرف فقال: سفائن، و إن اجتمعت فعين.
قولهم في البلاغة و الإيجاز
قيل لأعرابي: من أبلغ الناس؟قال: أحسنهم لفظا و أسرعهم بديهة.
الأصمعي قال: خطب رجل في نكاح فأكثر و طوّل، فقيل: من يجيبه؟قال أعرابي: أنا. قيل له: أنت و ذاك؟فالتفت إلى الخاطب فقال: إني و اللّه ما أنا من تخطيطك و تمطيطك [٥] في شيء، قد متتّ بحرمة، و ذكرت حقا، و عظّمت مرجوّا، فحبلك موصول، و فرضك مقبول، و أنت لها كفء كريم، و قد أنكحناك و سلّمنا.
[١] الريق: أول المطر؛ و العجاجة: القطعة من الغبار تثيرها الرياح؛ و طخياء: معتمة مظلمة.
[٢] ريح ورهاء: في هبوبها عجرفة.
[٣] كلية السحابة: أسفلها؛ و بهرت أي غلبت؛ و تبعجت: انفرجت.
[٤] دوالح: مثقلة بالماء.
[٥] تمطيط الكلام: إطالته.