العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٤ - لابن مطير
قيل لأعرابي: أي الألوان أحسن؟قال: قصور بيض في حدائق خضر.
و قيل لآخر: أي الألوان أحسن؟قال: بيضة [١] في روضة غبّ سارية و الشمس مكبّدة [٢] .
و قال أعرابي: لقد رأيت بالبصرة برودا كأنها صبغت بأنوار الربيع، فهي تروع و اللابس لها أروع.
العتبي قال: سمعت أعرابيا يقول: مررت ببلد ألقى بها الصّيف [٣] بعاعه، فأظهر غديرا يقصر الطرف عن أرجائه، و قد نفت الريح القذى عن مائه؛ فكأنه سلاسل درع ذات فضول.
و أنشد أبو عثمان الجاحظ لأعرابي:
أين إخواننا على السّرّاء # أين أهل القباب و الدهناء [٤]
جاورنا و الأرض ملبسة نو # ر إقاح يجاد بالأنواء
كلّ يوم بأقحوان جديد # تضحك الأرض من بكاء السماء
لابن مطير:
ابن عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي واليا على المدينة من قريش، و عنده أعرابي يقال له ابن مطير، و إذا مطر جود؛ فقال له الوالي: صفه؛ فقال: دعني أشرف و أنظر. فأشرف و نظر، ثم قال:
كثرت لكثرة ودقه أطباؤه # فإذا تحلّب فاضت الأطباء [٥]
و له رباب هيدب لرقيقه # قبل التّبعّق ديمة وطفاء [٦]
و كأنّ بارقه حريق تلتقي # ريح عليه و عرفج و ألاء [٧]
[١] يريد بياض النهار.
[٢] مكبدة، أي قد توسطت السماء.
[٣] الصيف: مطر الصيف؛ و بعاعه أي ما يحمله من الماء.
[٤] القباب و الدهناء: موضعان.
[٥] الودق: المطر كله، شديده و هينه؛ و الأطباء: الضروع.
[٦] الرباب: السحاب الذي فوقه سحاب؛ و هيدب أي متدل قريب من الأرض لثقل ما يحمل.
[٧] العرفج: نبت سهلي سريع الانقياد؛ و الألاء: شجر حسن المنظر مر الطعم.