العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦ - لبعضهم في المدح
عن فساد، لحديث السوء غير منقاد.
و قال أعرابي: إن فلانا «نعم» للسانه قبل أن يخلق لسانه لها: فما تراه الدهر إلا و كأنه لا غنى له عنك و إن كنت إليه أحوج؛ إذا أذنبت إليه غفر و كأنه المذنب، و إذا أسأت إليه أحسن و كأنه المسيء.
و ذكر أعرابي رجلا فقال: اشترى و اللّه عرضه من الذي؛ فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى بعدها عليه حقوقا، و كان منهاجا للأمور المشكلة إذا تناجز الناس باللائمة.
و مدح أعرابيّ رجلا فقال: كان و اللّه يغسل من العار وجوها مسودة، و يفتح من الرأي عيونا منسدة.
و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك و اللّه ينفع سلمه و لا يستمر ظلمه؛ إن قال فعل، و إن ولى عدل.
و مدح أعرابي رجلا فقال: ذاك و اللّه يعني في طلب المكارم، غير ضال في مسالك طرقها، و لا مشتغل عنها بغيرها.
و ذكر أعرابي رجلا فقال: يفوّق الكلمة على المعنى فتمرق مروق السهم من الرميّة، فما أصاب قتل، و ما أخطأ أشوى [١] ، و ما عظعظ [٢] له سهم منذ تحرك لسانه في فيه.
و ذكر أعرابي أخاه فقال: كان و اللّه ركوبا للأهوال، غير ألوف لربّات الحجال؛ إذا أرعد القوم من غير كرّ، يهين نفسا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها.
و مدح رجل رجلا فقال: كأن الألسن ريضت [٣] فما تنعقد إلا على ودّه، و لا تنطق إلا بثنائه.
[١] أشوى: أصاب الشوى؛ و الشوى كل ما ليس مقتلا كاليدين و الرجلين.
[٢] عظعظ: مر مضطربا و لم يقصد.
[٣] ريضت: ذللت.