العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥ - لبعضهم في المدح
و دخل أعرابي على رجل من الولاة فقال: أصلح اللّه الأمير، اجعلني زماما من أزمتك تجرّبه الأعداء، فإني مسعر حرب، و ركّاب نجب، شديد على الأعداء لين على الأصدقاء؛ منطوي الحصيلة، قليل الثميلة [١] ، نومي غرار [٢] ، قد غذتني الحرب بأفاويقها، و حلبت الدهر أشطره؛ و لا تمنعك مني الدمامة؛ فإن من تحتها شهامة.
و ذكر أعرابي رجلا ببراعة المنطق فقال: كان و اللّه بارع المنطق، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، فصيح البيان، رقيق حواشي الكلام، بليل الريق، قليل الحركات، ساكن الإشارات.
و ذكر أعرابي رجلا فقال: رأيت له حلما و أناة، يحدثك الحديث على مقاطعه، ينشدك الشعر على مدارجه، فلا تسمع له لحنا و لا إحالة [٣] .
العتبي قال: ذكر أعرابي قوما، فقال: آلت سيوفهم ألاّ تقضي دينا عليهم، و لا تضيّع حقا لهم، فما أخذ منهم مردود إليهم، و ما أخذوا متروك لهم.
و مدح أعرابي رجلا، فقال: ما رأيت عينا قط أخرق لظلمة الليل من عينه و لحظة أشبه بلهيب النار من لحظته؛ له هزة كهزة السيف إذا طرب، و جرأة كجرأة الليث إذا غضب.
و مدح أعرابي رجلا، فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، و الجواب ذا لسانين؛ لم أر أحدا أرتق لخلل الرأي منه، بعيد مسافة العقل و مراد الطرف، إنما يرمي بهمته حيث أشار الكرم.
و مدح أعرابيّ رجلا فقال: ذاك و اللّه فسيح النسب، مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته انتهى إليك بكرم فعال، و حسن مقال.
و مدح أعرابي رجلا فقال: كانت ظلمة ليله كضوء نهاره، آمرا بإرشاد، و ناهيا
[١] الثميلة: البقية من الشيء.
[٢] غرار: قليل.
[٣] أحال الكلام: أفسده.